في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٠٠

يقول سعد إنّنا نعرف مصعب بن عمير مثلما كنّا نراه، إذ لا يوجد أحد بمكّة أكثر دلالا منه أبدا، فلمّا دخلنا نحن في الإسلام -وكنّا معتادين من قبل على شظف العيش- لم يشقّ علينا أمر معيشتنا.

ونذكر جيّدا لمّا قاطعت قريش بني هاشم في شعاب مكّة ووصل بهم الاحتياج أشدّه، وسعد بن أبي وقّاص نفسه هو الذي قصّ حادثته التي وقعت له في الشعب؛ حيث إنّه ذهب يبول في ليلة من الليالي المظلمة فسمع لوقع البول قعقعةً، فهو لم يقع في التراب بل على شيء يابس، وبعد أن قضى حاجته تفقّده فوجده قطعة جلد جمل، فغسلها جيدا ويبّسها ورضفها(1) وقسّمها إلى ثلاث قطع، ثلاثة أيّام وهو يعيش عليها؛ لأنّها جلد وما زالت فيه بقيّة غذاء. هذا سعدٌ قال: نحن معتادون على الشقاء، مرّت علينا سنوات صعبة واعتدنا المعاناة، ولمّا جاء الإسلام عانينا أكثر ولكن صبرنا، أمّا مصعب بن عمير هذا الشابّ المدلّل، رأيته -مع تلك الوضاءة والتلألؤ الذي كان على وجهه- وجلدُه يتحشّف كما يتحشّف جلد الأفعى؛ أي رأيت جلده يجفّ حتّى أصبح يتطاير مثلما يتطاير جلد الأفعى.

ومن المعلوم أن للأفعى وقتا تبدل فيه جلدها.

هكذا قال سعد، قال: ذلك الشابّ الذي كان الدلال يغمر محيّاه، ووجهُه يكاد يقطر بالماء من أثر النعيم، أصبح جلده يابسا يتطاير، وصبر لذلك ولم يعر اهتماما لهذا أبدا، يبيت على الطوى ويصبر على العطش والجوع والمعاناة في سبيل الله، وهو مع هذا شابّ في مقتبل العمر، ولو عاد إلى ما يدعوه إليه والداه من الشرك؛ لضاعفا به الاعتناء أكثر من ذي قبل.

(1) … الرَّضْف: هي الحجارة المحماة، ورَضَفَهَا: أي وَضَعَهَا على حجارة قد حميت بالشمس أو بالنار. (ابن منظور، لسان العرب: ج9، ص121).

٣٠٠ / ٤٥٥