في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٠١ودام على هذه الحال، حتّى إنّه في يوم من الأيّام -و هو بالمدينة- رآه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على تلك الهيأة فبكى لحاله، كما يروي ذلك الإمام عليّ كرّم الله وجهه في حديث نورده بنصّه ثمّ نأتي إلى شرحه.
يقول علي: «إنّا لجلوس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير وما عليه إلا بردة له مرقَّعة بفرو، فلمّا رآه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، بكى للذي كان فيه من النعمة والذي فيه اليوم، ثمّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلّة وراح في حلّة؟، ووُضعت بين يديه الصفحة ورُفعت أخرى؟، وسَترتم بيوتكم كما تسترون الكعبة؟».
قالوا يا رسول الله: نحن يومئذ خير منّا اليوم، نتفرّغ للعبادة ونُكفى الْمُؤْنَةَ.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أنتم اليوم خير منكم يومئذ»(1) ».
قال علي: «كنّا يوما في المسجد مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ طلع علينا مصعب بن عمير»، وهذا أسلوب العرب في التعبير، فإذا دخل عليهم أحد قالوا: «طلع علينا فلان». قال: «كنّا جلوسا مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فدخل مصعب بن عمير وعليه عباءة من صوف مرقّعة بالجلد»، هذا الذي كان في مكّة يلبس أحسن الثياب، وكان كلّ شباب قريش يتمنّون لو أنّهم يلبسون مثلما يلبس؛ قال عنه علي: دخل علينا ونحن في المسجد على هذه الحالة، فبكى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لما رآه.
رواية تقول: «فذرفت عيناه - صلى الله عليه وسلم - شفقة على هذا الشابّ». قال علي: ّ إنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - تفكّر وتذكّر كيف كان مصعب بالأمس وكيف هو الآن، كيف كان في رفاهية، وكيف أصبح في شظف من العيش، ومن أجل ماذا؟، من أجل الله تبارك وتعالى، فازداد له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حبّا ورحمة وشفقة.
(1) … انظر القصة عند: ابن الأثير، أسد الغابة: ج5، ص192. الحديث أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح عن علي بن أبي طالب كرم الله، كتاب: الذبائح، أبواب: صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رقم: 2459 .