في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٠٢

ثمّ خاطب - صلى الله عليه وسلم - المسلمين الذين كانوا في المسجد فقال لهم: «كيف بكم… »؛ أي كيف ستكون حالتكم في اليوم الذي يغدو أحدكم في حلّة ويروح في حلّة؟، والحلّة في العربيّة هي إزار ورداء، يعني بذلة كاملة، شيء يوالي اللحم وشيء من فوقه.

قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : كيف تكونون عندما يخرج أحدكم في الصباح ببذلة، و[في] المساء ببذلة أخرى؟؛ أي يبدّل ملابسه مرّتين في اليوم.

وقال أيضا: «وتوضع صفحة وترفع أخرى؟»؛ أي: يوضع إناء من الطعام ويرفع آخر.

وقال أيضا: «وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟»؛ أي: تغطّون بيوتكم مثلما تستر الكعبة؛ لأنّ ذلك لم يكن معروفا عند العرب، وإنّما كان معروفا عند العجم؛ حيث إنّهم يسترون جدران بيوتهم، ولكنّ الكعبة كانت تُستر من عهد سيّدنا إبراهيم - عليه السلام - ويُصنع لها لباس خاصّ من حرير مطرّز بالذهب، وهذا أمر من أوامر الله تبارك وتعالى وليس بإسراف ولا تضييع مال، فهو بيت الله الأوحد الذي وُضع للناس على ظهر الأرض، والواجب أن يكون ممتازا ومميّزا على جميع بيوت الدنيا.

قال لهم - صلى الله عليه وسلم - : تصبحون تسترون بيوتكم كما تسترون الكعبة؛ بمعنى أنّه يكون لديكم فائض ملابس فتلبسونها للجدران، وهذا كلّه واقع؛ لأنّ الله تبارك وتعالى قد أطلع نبيّه - صلى الله عليه وسلم - على هذا الغيب، وأعلمه بما سيحصل وكيف ستكون عليه الحالة في المستقبل.

وفي ذلك الوقت كان من وجد بعض تميرات وجرعات ماء؛ محظوظا، و[قد] كان الإمام عليّ كرّم الله وجهه يجلب لأحد يهود المدينة ويعمل له إلى منتصف النهار بكفّ من تمر، وفي بعض الأحيان بتمرة لكلّ دلو.

قال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «كيف تكونون يومئذ؟».

قال له الصحابة: «نكون يومئذ خيرا ممّا نحن عليه اليوم، نتفرّغ للعبادة ونُكفى المؤونة»؛ أي نهب أنفسنا كلّها لعبادة الله.

٣٠٢ / ٤٥٥