في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣فقال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «أنتم اليوم خير منكم يومئذ»، ولم يشرح أكثر، فالشرح معروف، وهم لم يطلبوا التفسير، فالتفسير معروف.
وما هو تفسير ذلك؟.
في ذلك الوقت الذي يُبسط لكم في الرزق، تزداد رغبتكم في الدنيا أكثر، وكلّ من ملك شيئا يتمنّى لو يملك أكثر، حتّى إنّه - صلى الله عليه وسلم - قال لهم بعدُ في حديث آخر في غير ذلك الوقت: «لو أُعطي ابن آدم واديين من ذهب لتمنّى ثالثا، ولا يملأ جوف ابنِ آدم إلا التراب»(1) ؛ أي لا يوجد شيء يملأ بطن الإنسان إلا التراب كناية عن القبر، يوم يُلقي عليك الناس حفنة من التراب ويغطّونك، هناك ترقد مطمئنّا، هذا حظّك من الدنيا.
قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلام في تلك اللحظة وقد دخل مصعب -رضي الله عنه- على هذه الحالة من الشدّة، لونه تغيّر، جلده يتطاير، الملابس لا توجد…، وقد يتساءل أحد ويقول: «لماذا لا يكفي أهلُ المدينة المهاجرين مؤونتَهم لمَّا ذهبوا إليهم؟!».
والجواب بكلّ بساطة أنّ معظم أهل المدينة فقراء مثلهم، والدليلُ على ذلك أنّ اليهود كانوا يستأجرونهم ويقرضونهم بالمضاربة، وسيأتينا الكلام على يهود المدينة وماذا فعلوا.
[بطولة مصعب] :
بطولة مصعب
ومن عجيب أمر مصعب هذا -ولْيعجب الشباب- ورغم الدّلال الذي رُبِّيَ فيه، عنده قلبُ بطلٍ شجاعٍ، ولم يكن جبانا ولا خوارا أو خِرقة لا تنفع،
(1) … أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابنِ آدمَ إلاَّ التراب، ويتوب الله على من تاب»(صحيح البخاري، كتاب: الرقاق، باب: ما يُتَّقى من فتنة المال، رقم: 6081).