في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤وظهرت بطولته أوّلا في إسلامه والتحمّل الذي تحمّل به هذه المعيشة أمام الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة والصبر على هذه الحالة، ثمّ تظهر شجاعة الحرب منه في غزوة بدر التي وقعت في رمضان من السنة الثانية للهجرة، الواقعة التي ذكرها الله تبارك وتعالى في القرآن في سورة الأنفال وأثنى على أصحابها، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال فيهم: «لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(1) .
أبلى مصعب في بدر بلاءً حسنا، ويُبلي بلاء حسنا أكثر في غزوة أُحُد التي وقعت بعد عام وأيّام من غزوة بدر؛ أي في السنة الثالثة من الهجرة، هذه الواقعة التي ذكرها الله تعالى في سورة آل عمران.
توجّه مشركو مكّة صوبَ المدينة لكي ينتقموا لهزيمة يوم بدر، فكان ما كان، وقُتل السيّد حمزة -رضي الله عنه-، وقُتل مصعب بن عمير، هذا الشابّ الجَلْدِ الشجاع الذي أعطاه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - اللواء. ومن عادة الجيوش في القديم أن يرفعوا العلم وسط المعركة.
ومن يرفعه؟.
يعطى لأشجع القوم.
وما الحكمة من ذلك؟.
الجيش يحارب على كلّ جهة، والميدانُ واسع، وكلّهم ينظرون إلى العلم، فما دام مرفوعا، فهم يحاربون بمعنويات مرتفعة، فإن نزل، فهو دليل على موت بطل من الأبطال؛ وبالتالي فإنّ معنويات الجيش تتحطّم وينهزم.
وقد يموت على الراية أكثر من واحد، يُقتل أحد فيرفعه آخر، ويُقتل فيرفعه آخر وهكذا، والأعداء يتّجهون صوب صاحب العلم فيقتلونه أوّلا، حتّى إذا سقط
(1) … جزءٌ من حديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: المغازي، باب: فضل من شهد بدرا، حديث: 3782.