في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٠٦

اليدين شهيدا، فقرأ قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىا نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾(1) .

وهذه الآية نزلت في حقّ الذين دافعوا حتّى الموت، وقرأها - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف على جثمان مصعب بن عمير، ثمّ قال بعد أن قرأ هذه الآية وهو يخاطب الجثث المنتشرة: «رسول الله يشهد عليكم أنّكم شهداء عند الله يوم القيامة»، ثمّ أقبل على الناس فقال: «أيّها الناس، ائتوهم فزوروهم وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة، إلا ردّوا - عليه السلام - »(2) .

إذن فزيارة شهداء أُحُد والتسليم عليهم، شيءٌ مأمور به، مثلما هم شهداء بدر كذلك، ونحن لمّا نسلّم عليهم لا نسمع صوتا، ولكنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لنا: «يردّون عليكم السلام»، أرواحهم أو ملائكة نيابة عنهم، هذا الأمر سرّ من أسرار الله تعالى.

لمّا همّوا بدفن مصعب بن عمير، قال الحاضرون من الصحابة رضوان الله عليهم وكان -النبيّ - صلى الله عليه وسلم - معهم-: «لم نجد إلا عباءة واحدة نَمِرَةً(3) ، إن جذبناها إلى الرأس، تبقى الأرجل عارية، وإن جذبناها إلى الأرجل، يبقى الرأس عاريا»، فقال لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - : «غطّوا رأسه بالثوب وارموا الإذخر على رجليه»، والبعض قال لهم: «بالحرمل»، فكانت هذه سنّة، إنْ لم يوجد لأحد ثوب كافٍ

(1) … سورة الأحزاب: الآية 23.

(2) … أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى عن عبيد بن عمير: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف على مصعب بن عمير وهو منجعف على وجهه، فقرأ هذه الآية: ﴿مِّنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ…﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: «إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة»، ثم أقبل على الناس فقال: «أيها الناس، زوروهم، وأتوهم، وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم القيامة إلا ردوا - عليه السلام - ». (ابن سعد، الطبقات الكبرى، طبقات البدريين من المهاجرين ومن بني عبد الدار بن قصي، ذكر: حمل مصعب لواء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رقم: 2900 )

(3) … «أي جبة من صوف». (من كلام الشيخ). بردة من صوف مخطَّطة يلبسها الأعراب. (ابن منظور، لسان العرب: ج5، ص234).

٣٠٦ / ٤٥٥