في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٠٧

يستر به عورته، فإن رأسه يُغطَّى بذلك الثوب، أمّا الأرجل فتغطّى بالنبات -الحشيش- الموجود في ذلك المكان.

وقد أثّر هذا المشهد في كثير من الصحابة الذين كانوا حاضرين، فكانوا لمّا يقرؤون قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُومِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىا نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّنْ يَّنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾(1) ؛ يشفقون على أنفسهم ويقولون: «مصعب بن عمير وحمزة والأوائل الذين استُشهدوا، ذهبوا إلى الله تبارك وتعالى وأجرهم كامل، لم يأخذوا منه شيئا في الدنيا، وبسبب موتهم انتصر المسلمون».

يقولون هذا الكلام؛ لأنّه ومن بعدُ تبدّل الحال بعد أن انتصر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقهر اليهود وأجلاهم عن المدينة وأخذ أملاكهم وفتح خيبر وامتلك ما فيها من أموال، ثمّ بدأت الدنيا تُفتح لهم بعد موت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في زمن أبي بكر وعمر، فأصبح الصحابة -الذين فُتحت لهم الدنيا من كلّ جهة فملكوا الأراضي والديار والنخيل والملايين- يبكون ويقولون: «نحن فُتحت لنا الدنيا وخُضنا فيها فصرنا نتمتّع ونلبس جيّدا ونأكل جيّدا، وأدركنا ما لم يدركه الأوائل». فيبكون ويخافون أن يُحسب عليهم هذا تبديلا.

فهذا عبد الرحمن بن عوف لمّا كان في بيته وأحضروا له سُفْرَة فيها ألوان من الطعام، بكى.

ولماذا بكى؟.

لأنّه تذكّر مصعب بن عمير وحمزة والأولين الذي كانوا سببا في نصرة الإسلام، وسببا في كلّ هذه الفتوحات، ولكن لم يأخذوا من الدنيا شيئا، ذهبوا إلى ربّهم دون أن يذوقوا شيئا من لذّات الدنيا، ذهبوا وأجرهم كامل، ماتوا ولم يروا الدنيا ولم ترهم.

بكى عبد الرحمن خوفَ أن يحاسَب على هذا النعيم الذي هو فيه.

(1) … سورة الأحزاب: الآية 23.

٣٠٧ / ٤٥٥