في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣١١

المختار(1) لما عيّروه في أتباعه أنّهم كلّهم شباب. ففي شبابنا المنتظَرين الطاهرين خير، فليس فيهم التعصّب القديم، وليس فيهم شيء من الفواحش المتمكّنة، ويسهل عليهم فهم الحقّ وتقبّله.

مات مصعب وما عليه إلاَّ عباءة واحدة، ما ترك دينارا ولا درهما، ولكن ترك ذكرا في الأوّلين والآخرين، وها قد مضت أربعمائة وألف سنة تقريبا والناس يزورونه، وقبره معروف يزار بالمدينة؛ إذ يوجد في بطحة واحدة مع عبيدة بن الحارث(2) ، وكانت عليهما قبّة مثلما كانت على قبر حمزة، ولكن هدمها السعوديون؛ لأنّ الناس يعبدون القباب ويتبركون ويتمسّحون بها ويقبّلونها، فأصبح فضاءً وقطعة من الأرض فيها حائط صغير، وحبّذا لكلّ من زار المدينة، لو تعرّف على قبر مصعب بن عمير، هذا الشابّ الذي رضي شظف العيش والتقشّف في سبيل الله حتى مات بعد أن قُطعت يداه.

(1) … هو المختار بن عوف الشاري، المكنّى بأبي حمزة الشاري، من أعلام تابعي التابعين. ولد بقرية مجز بعمان، وانتقل إلى البصرة فأخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. يعدّه الباحثون من أعلام الأدباء في عصره، ولا تزال خطبته التي خطبها على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاهدة على ذلك، ومما قال فيها: «… يأهل مكة، تُعيِّرُونني بأصحابي، تَزْعمون أنهم شَبَاب، وهل كان أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلاّ شبَابًا؟!، نِعم الشباب مُكْتَهلين، عَمِيّة عن الشرّ أعيُنهم، بَطِيئة عن الباطل أرجُلُهم، قد نظر اللّه إليهم في آناء الليل مُنْثنِيَة أصلابهم بمثَاني القرآن، إذا مرّ أحدُهم بآية فيها ذِكر الجنّة بكي شوقًا إليها، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شَهَق شهقة كأن زَفير جهنَّم في أُذُنيه، قد وَصَلُوا كَلالَ ليلهم بكلال نهارهم، أنْضَاء عِبادة، قد أكلَت الأرضُ جباهَهم وأيديَهم ورُكَبهم، مُصْفَرّة ألوَانُهم، ناحلة أجسامهم من كثرة الصِّيام، وطُول القِيَام… ». وقد حضرها الإمام مالك بن أنس فقال عنها: «…خطبنا أبو حمزة المختار بن عوف خطبة حيّرت المبصر وردّت المرتاب». وكان محاربا بارعا، وعادلا ورعا. قُتل في جمادى الأولى سنة 130هـ. (مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية: مج4، ص856-857). أمّا الخطبة فمن (الأصبهاني، الأغاني: ج23، 250).

(2) … شكَّ في اسم الصحابيّ، والصحيح أنّ عبيدة بن الحارث -رضي الله عنه- توفّي عند مرجعه من عزوة بدر في مكان يقال له الصفراء، ودُفن هناك. (ابن الأثير، أسد الغابة: ج3، ص572-574).

٣١١ / ٤٥٥