في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣١٧

وقلنا بأنّه مات في حوالي الأربعين [من عمره]، فكلّ جهاده وحربه وهجرته إلى الحبشة وإلى المدينة كان دون ذلك، يعني في مقتبل العمر، وقتَ اشتداد القوّة، وهكذا الإيمان، ترك الرفاهية والنعيم في سبيل ماذا؟، في سبيل الله، حتّى أصبح النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يبكي لحالته التي آل إليها.

وكان مصعب بن عمير -رضي الله عنه- زوجَ حمنة بنت جحش(1) أخت زينب بنت جحش أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- ابنة عمّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وزوجه المذكورة في القرآن: ﴿فَلَمَّا قَضَىا زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾(2) .

بعد انتهاء وقعة أُحُد التي قُتل فيها مصعب، جاءت حمنة بنت جحش مع جماعة من نساء المؤمنين إلى موقع المعركة يتفقّدن ذويهنّ، كلّ واحدة تسأل عن أبيها أو أخيها أو عمها…، ويسألون أكثر ما يسألون عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «هل هو سالم؟»، وكان هذا هو همّهم الأكبر كما تذكر الرواية.

جاءت حمنة فرآها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: «احتسبي يا حمنة، احتسبي»، وهي الكلمة الأولى التي يقولها المسلم في التعزية يومئذ، كما نقول نحن الآن: : «عظّم الله أجرك»، ولكن الكلمة المشهورة في السيرة والتي يقولها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويقولها أصحابه بعضهم لبعض: «احتسب»؛ أي اعتقد بأنّ أجرك مدّخَر عند الله على هذا المصاب،

(1) … حمنة بنت جحش بن رياب الأسدية، من بني أسد بن خزيمة، أخت زينب بنت جحش، كانت عند مصعب بن عمير وقُتل عنها يوم أحد، فتزوّجها طلحة بن عبيد الله فولدت له محمّدًا وعمران ابني طلحة بن عبيد الله، وكانت حمنة ممّن خاض في الإفك على عائشة، وجُلدت في ذلك مع من جُلد فيه عند من صحّح جلدهم. وكانت من المهاجرات، وشهدت أحدا فكانت تسقي العطشى وتحمل الجرحى وتداويهم. روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وروى عنها ابنها عُمران بن طلحة. وكانت تستحاض. (ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ج4، ص1813-1814 وابن الأثير، أسد الغابة: ج8، ص78-80).

(2) … سورة الأحزاب: الآية 37.

٣١٧ / ٤٥٥