في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٢٣جهوري: «يا محمّد، يا محمّد، اخرج إلينا»، وأنزل الله تباك وتعالى فيهم قرآنا يتلى وهو قوله في سورة الحجرات: ﴿اِنَّ الذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَّرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوَ اَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىا تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(1) ، هؤلاء الأعراب أصحاب البوادي.
وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ينهى أصحاب الحواضر عن تبديل سكناهم والخروج من الحضر إلى البادية، فإن كان ولا بدّ فلقضاء حاجة لأيّام وليالي فيرجع، أمّا أن يترك السكنى في الحضر ويرحل وينزل على خيمة متّبعا أذناب الإبل والبقر فقد نهت الشريعة عن هذا.
ذكرت هذه الفائدة لكي تتبيّن لنا هذه الواقعة ونفهم سرّها.
كانت بعض بطون من هذيل(2) في هذه الجهة التي ذهب إليها عاصم بن ثابت مع أصحابه، وقد ذُكر لهم أنّ جماعة من أهل المدينة قليلو العدد قد خرجوا وهم في مكان كذا، والعرب دائما يطوفون في الصحراء ويتتبّعون الأخبار، فخرجوا في مائة رامٍ وأحاطوا بهؤلاء العشرة من الصحابة رضي الله عنهم، فلمّا رأوهم؛ التجؤوا إلى مكان مرتفع، فطافت بهم جند هذيل المغيرون وقالوا لهم: «لكم عهد الله وميثاقه، انزلوا»؛ يعني لا نمَسّكم بسوء ولا نضرّ منكم أحدا ونحن نعطيكم العهد على هذا، فانزلوا وسلّموا أنفسكم.
أمّا عاصم بن ثابت فقال لهم: «لا، لا أنزل على عهد مشرك أبدا، أأقبل أنا عهد مشرك!!»؛ لأنّ المشركين كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُومِنٍ اِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾(3) ، فهم يغدِرون؛ ولهذا قال عاصم: «أمّا أنا فلا أنزل».
(1) … سورة الحجرات: الآيتان 4-5.
(2) … هم بنو لحيان. (سيرة ابن كثير: ج3، ص 123).
(3) … سورة التوبة: الآية 10.