في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٢٤وثبت معه أصحابه، فقتلت هذيل سبعة ومنهم عاصم، أمّا الثلاثة الباقون فاستسلموا، فلمّا نزل الأوّل بدأ المشركون يقيّدونه فقالوا: «هذا أوّل الغدر»، فمكث الثالث وأبى أن ينزل وقال لهم: «أنا على ما مات عليه أصحابي»، فقتلوه هناك، وبقي اثنان: خبيب بن عديّ وابن الدِّثِنَّة -اللذان سيأتي عليهما الكلام- فقيّدوهما وساقوهما معهم.
وما هي الحكمة من تقييدهما؟، وماذا أراد المشركون لما قالوا: «انزلوا لكم عهد الله وميثاقه؟!»، ولمَ لمْ يقتلوهم من أوّل وهلة؟!.
هذيل كانت تعرف أنّ أهل مكّة قد قُتل لكلّ واحد منهم في بدر أب أو ابن أو أخ أو عمّ أو خال…، وأنّ عندهم ثارات، وأنّهم يتوعّدون المسلمين، وكلّ واحد منهم يقول: «والله لو أمسك الذي قتل ولدي أو أخي؛ لأفعلنّ به ولأفعلنّ»، فهذيل إذن أرادوا أن ينزلوا بهم إلى مكّة فيبيعوهم لأهلها بثمن غال حتّى ينتقموا منهم ويشفوا غليلهم، وكذلك فعلوا بالاثنين، وهذا هو القصد والنكتة.
وقبل أن نتحدّث عن خبيب وابن الدِّثِنَّة وما جرى لهما بمكّة؛ نرجع إلى حميّ الدبر عاصم بن ثابت والكرامة التي وقعت له.
كان عاصم بن ثابت هذا الشابّ المحمّديّ -رضي الله عنه- هو الذي قتل شرّ خلق الله في ذلك العهد عقبة بن أبي معيط أشقى القوم الذي له من الأعمال الخبيثة ما له، ومنها أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلّي ذات يوم في الحرم وأبو جهل وجماعته جالسون في الحِجر، فقال بعضهم لبعض وهم يشيرون إلى محمّد - صلى الله عليه وسلم - : «من منكم يتشجّع فيقوم ويمشي إلى مكان كذا ويأتي بسلا جزور(1) بني فلان فيلقيه على محمّد؟».
فمن انْتَضَلَ(2) لهذا؟.
(1) … «السّلا هو الوسخ الذي يخرج من بطن الجزور». (من كلام الشيخ).
(2) … اخْتَارَ، يقال: انْتَضَلْتُ رجلاً من القوم؛ أي: اخْتَرْتُ. (ابن منظور، لسان العرب: ج11، ص665، مادة: نضل).