في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٢٥

انتدب لهذا عقبة بن أبي معيط، إذ ذهب ورفع وسخ الناقة المذبوحة وألقاه على كاهل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد، والمسلمون الذين كانوا حاضرين ضعاف فلم يقدر أحد منهم أن يتحرّك، فبقي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ساجدا والسلا عليه حتّى جاءت السيدة فاطمة -رضي الله عنها- فأزالت عنه الأذى، ورفع - صلى الله عليه وسلم - رأسه ودعا على هذا الخبيث عقبة بن أبي معيط، فقتله عاصم بن ثابت، كما قتل بعضا من أبطال المشركين منهم أخوان(1) أمّهما تدعى سلافة، فحلفت: «والله لئن أظهرني الله بعاصم لأشربنّ الخمر في رأسه»؛ أي تقطع رأسه وتأتي بالقِحْفِ(2) -تجويف الدماغ- فتشرب فيه الخمر.

هذا ما قالت، فانظروا الغلوَّ أين وصل!!.

وهذا الخبر عند هذيل منتشر، فلمّا قتلوا عاصم؛ صعدوا إليه ليقطعوا رأسه فيأخذوها لسلافة فتشرب فيها الخمر كما زعمت قبّحها الله وتعطيَهم مالا كثيرا، ولكن ما إن اقتربوا منه حتّى أرسل الله تبارك وتعالى رِجلا من الدَّبَر، وهذا الذي أرسله الله لا بدّ أن يكون قويّا، فحماه الله به.

اجتهد المغِيرون في الوصول إليه فما استطاع أحد منهم أن يقرب الجثّة أبدا، فقال الكفّار بعضهم لبعض بعد أن حاولوا وكررّوا فلم يقدروا: «فلنتركه إلى الليل، فإذا حلّ؛ ذهب الدّبر فنقطع رأسه».

انتظروا به الليل لكن ما إن كاد يغشى الكونَ حتّى ساق الله تبارك وتعالى سحابة فأمطرت مطرا غزيرا حملت عاصم، ولم يُر له أثر إلى اليوم.

وكان عاصم بن ثابت -رضي الله عنه- قد دعا الله تعالى في حياته وقطع عهدا على نفسه أن لا يَمَسَّ مشركا ولا يمَسّه مشرك، فحفظه الله بالدّبر حتّى بعد موته فلم تمَسّ جثّتَه يدُ مشرك لقوّة تمسّكه وتعصّبه لدينه التعصُّبَّ الحقّ المطلوب.

(1) … هما: مُسَافِع بن طلحة والجُلاَس بن طلحة. (سيرة ابن هشام: ج4، ص84).

(2) … هو العظم الذي فوق الدماغ، وهو أيضا إناء من خشب على مثاله كأنه نصف قدح. (ابن منظور، لسان العرب: ج9، ص275، مادة: قحف).

٣٢٥ / ٤٥٥