في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧من صاحبة البيت موسىً ليستحدّ، فهو يعرف أنّه سيقتل فأراد أن يقوم بخصال الفطرة، يقصّ شاربه ويحلق شعر الإبط وشعر العانة، يتنظّف ويتطهّر استعدادا للموت. قالت المرأة [صاحبة البيت]: «بينما الموسى بيده، دلف(1) إليه ولدٌ لنا صغير فأجلسه على ركبته فخفت وقلت إنّ ولدي مذبوح لا محالة، فما دام خبيب سيُقتل وهو يعلم ذلك فلينتقم من هذا الولد وليذبحه إذن، وماذا سيفعل فيه أهل مكّة أكثر من القتل؟!»، هكذا توهّمت المرأة، فقال لها خبيب: «لا تخافي، فليس من شأننا أن نقتل الصبيان».
داعب الصبيّ وأرسله ولو شاء لقتله، ولكن لأنّه مؤمن وهو مقبل على ربّه؛ فلا يذهبُ إليه متلبّسا بذنب، فما ذنب هذا الصبيّ حتّى يُقتل؟!، وهذا يدلّ على كرم النفس وعلى الإيمان وأثره في القلب.
ولمّا خرجوا به إلى التنعيم ليقتلوه؛ استأذنهم في ركعتين يؤدّيهما فأذنوا له، وبعد أن أتمّهما وسلّم قال لهم: «لولا أن تظنّوا أنّ بي جزعا من الموت؛ لأطلت الركعتين». فكانت هذه سنّة سنّها خبيبٌ وأقرّها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فمن ابتُلي وذُهب به إلى القتل؛ يُسَنُّ له أن يصلّي ركعتين، ووقع مثل هذا كثيرا في تاريخ الإسلام.
أمّا صاحبه -ابن الدِّثِنَّة الذي بِيع هو أيضا- فإنّه لمّا ذهبوا به إلى القتل قالوا له: «أترضى أنّ محمّدا هنا تُضرب عنقه وأنت في أهلك؟»؛ أي: أترضى أن تُفدى بمحمّد؟.
فبماذا أجابهم؟.
قال لهم: «وأنا في هذه الحالة ما أحبّ أن تصيب محمّدا شوكة تؤذيه». وقال أبو سفيان متعجّبا: «ما رأيت أحدا يحبّ أحدا كما يحبّ أصحاب محمّد محمّدا!!».
(1) … «حَبَى». (من كلام الشيخ).