في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٢٨

[لقد كان في قصصهم عبرة… ] :

لقد كان في قصصهم عبرة…

هذا هو حبّ الصحابة رضي الله عنهم للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهؤلاء هم الشباب الذين يُطلق عليهم شباب محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، الذين يفْدون نبيّهم بأنفسهم وأموالهم، ويتّبعونه في الجليل والصغير.

هذه أمثلة مصغّرة من بعض الشباب المحمّديّ الذين أوصلنا إلى الكلام عنهم الحديثُ في موضوع الهجرة(1) ، وذَكَّرنا بهذا خروج أوّل مهاجر من مكّة إلى المدينة الشابّ مصعب بن عمير -رضي الله عنه- سفيرا للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومقرئا للأنصار وإماما لهم يؤمّهم في صلواتهم، وهو أوّل من جمّع بالمدينة قبل أن يصل إليها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .

بعد هذا نرجع إلى حالتنا اليوم؛ لأنّ التاريخ لا يُذكر للتسلية وإمضاء الوقت، نعم نستلذّ ونتمتّع بسماعنا لمثل هذه الأخبار، خاصّة أخبار النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، ولكن ليست كلّ الفائدة أن نستمع ونتمتّع ثمّ نقوم ونترك كلّ شيء في المكان الذي سمعناه فيه، التاريخ يُقرأ للاتّعاظ والاعتبار والاقتداء، فإذا سمعت شرّا اتقيته، إذا قرأت تاريخ شرّير من الأشرار أو كافر من الكفّار أو منافق من المنافقين المنحرفين عن دينهم؛ تتّقي طريقه وتتجنّبه وتستعيذ بالله أن تكون مثله، وإذا سمعت أخبار صالح من هؤلاء الصلحاء أو مجاهد من هؤلاء المجاهدين أو شهيد من هؤلاء الشهداء الذين بذلوا كلّ مرتخص وغال في سبيل الله؛ تتمنّى وتحمل نفسك وتدعو: «اللهمّ اجعلنا منهم، اللهمّ ألحقنا بعبادك الصالحين»، ولا يكون بلوغ هذه الدرجة بالتمنّي فقط، بل بالعمل، و«قد تعدّى من تمنّى أن يساويَ من تعنّى»، فهؤلاء قد ناضلوا وجاهدوا وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله ونحن نطمع بالتمنّي أن نكون معهم في الدرجة!!، هذا كلام فارغ ودعاء باطل أقرب إلى الذنب كما يقول الحسن البصريّ(2) رحمه الله: «طلب الجنّة بغير عمل، ذنب من الذنوب».

(1) … وهكذا منهج الشيخ بيّوض رحمه الله في دروسه؛ إذ كان يجتهد في استنباط العبرة ولا يكتفي بمجرّد السرد الجافّ للأحداث.

(2) … الحسن بن يسار البصريّ، أبو سعيد، تابعيّ، كان إمام أهل البصرة وحبر الأمّة في زمانه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النسّاك. ولد بالمدينة سنة 21هـ، وسكن البصرة. كان يدخل على الولاَة فيأمرهم وينهاهم لا يخاف في الحق لومة لائم، وله مع الحَجّاج بن يوسف مواقف، وقد سلم من أذاه. وكان غاية في الفصاحة، تتصبّب الحكمة من فيهِ. قال الغزاليّ: «كان الحسن البصريّ أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة». توفّي بالبصرة سنة 110هـ. (الزركلي، الأعلام: ج2، ص242).

٣٢٨ / ٤٥٥