في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٣٠شبابنا اليوم منحرف كثيرا بعبثهم ولهوهم ولعبهم، ولا أعمّم؛ لأنّ هناك الصالحون ولله الحمد، ولكن هناك بعض الشباب الطائش وهم أقلّيّة، آباءهم أحياء، وهم سبب بلاء رفقائهم، ولا يعجزكم أن تعلموهم، أفتغلبنا هذه الأقلّيّة ولا يمكننا أن نحرسهم؟!، أين الوالدان؟ أين الكبار والمعلّمون والأساتذة؟ وما أكثرهم! ولم يصلوا درجة التعليم إلا وعندهم حظّ كبير من الثقافة والصلاح؟!، أين الشباب الصالح؟!، ولا نُغلب على أمرنا إلا بضعف، أنضعف إلى هذا الحدّ؟!، كيف بشرذمة أن تغلبنا؟!، يجب أن يكون ثمّة موقف حازم صارم في تربية هؤلاء الشباب، في حراستهم وتتبّع أخبارهم، ماذا يفعلون؟!، إلى أين يذهبون؟!، وكلّ عائلة تقوم بهذا، ومن وراء الآباء العشائرُ والمعلّمون، يرشدونهم ويحذّرونهم ويبيّنون لهم المحرّمات والمناهي، وينهونهم عن كشف العورات وسبّ الدين والشتم، وكلّ من تخلّى عن هذا الدور يعدّ مقصّرا.
ويبدأ الخطر من عدم دراسة السيرة النبويّة وسيرة الخلفاء الراشدين وسيرة الصحابة رضي الله عنهم ومَن بعدهم، فالتاريخ ملآن بالروائع والمعجزات والبطولات النادرة، وكان والدونا يعلّموننا -مثلما ذكرتُ، وليس مبالغة إذا قلت قبل البلوغ- هذه الأمور، وقد درست أنا على يد الشيخ عيسى لَبْرِيكِي(1) رحمه الله وقرأت عليه السيرة
(1) … الابرِيكي (بتفخيم الراء) إبراهيم بن عيسى: من علماء القرارة، وأحد أصحاب نهضتها الحديثة. ولد فيها سنة (1273هـ/1857م). درس بمدينة الجلفة -الجزائر- واستظهر فيها القرآن الكريم على يد معلم من أولاد نايل اسمه: آدم، ثم التحق بمعهد الحاج محمد بن الحاج قاسم الشيخ بالحاج في القرارة، وبعده مرتقيا إلى معهد قطب الأئمة الشيخ اطفيش ببني يسجن، وعند عودته إلى بلدته القرارة اقتفى أثر شيخه وفتح معهدا للتدريس تخرّج منه الجيل الأول للإصلاح في القرارة منهم: إبراهيم بن عمر بيوض وإبراهيم أبو اليقظان وقاسم بن الحاج عيسى الشيخ بالحاج. ولما اغتيل شيخه الحاج محمد بن قاسم الشيخ بالحاج خلفه في منبر المسجد واعظا، وحارب الفساد والبدع والعصبية القبلية والجهل، إضافة إلى تولّيه مهام اجتماعية أخرى. توفّي في سحر منتصف ذي القعدة من سنة 1329هـ/ 6 نوفمبر 1911م بعد اشتداد مرض البواسير عليه، ورثاه تلميذه الشيخ أبو اليقظان بقصيدة تحت عنوان: «دمعة سخينة على العلم والدين»، وممّا قال فيها:
هذا ابن عيسى انطوت أيّامه ومضى … عهد به الزهر بشرُ نورِه جذلُ
فاجأه الموت في ليل فطال به … ليل الهموم فعمّ الضيق والخبلُ
… (انظر: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية: مج2، ص50-51).