في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩ولعلّ الله تبارك وتعالى يوفّقنا فنمرّ على كلّ هذه الغزوات والسرايا بحسب ما يتّسع له المقام، فنرى كيف يفعل الإيمان إذا تمكّن في القلب، وكيف يحوّل الناسَ وكأنّهم ملائكة طهرا ونقاءً، ويكسب الشبابَ رزانةً وحكمة وحبّا للجهاد في سبيل الله وكأنّهم قد شبعوا من الدنيا.
[أعمال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عند وصوله المدينة] :
أعمال النبيّ صلى الله عليه وسلم عند وصوله المدينة
بعد هذا سنرى الأعمال الأولى التي قام بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المدينة لمّا حلّ بها.
[1-بناء المسجد، ودوره في الإسلام] :
وقد تقدّم لنا من قبل كيف أسّس مسجد قباء وبنى مسجده مسجدَ المدينة، ورأينا كيف شارك هو بنفسه في بنائه، وكان هذا أوّل عمل قام به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنّ المسجد في ذلك الوقت بيت من بيوت الله(1) يُتّخذ للعبادة أوّلا، إذ يتّصل فيه العبد بربّه، وبيت من بيوت الذكر وتلاوة القرآن وتعليم الدين ونشر العلم والحكمة والموعظة الحسنة، وهو المكان الذي يصلّي فيه المسلمون صلاة الجمعة وصلاة الجماعة، وهو المكان الذي يتهجّدون فيه.
ثمّ إنّ المسجد أيضا مجتمع للمسلمين ينظرون فيه ويتشاورون في أمور دنياهم وأخراهم، فهو نادٍ للتّداول في الرأي.
وهو مركز لعقد ألوية الجيش، فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يعقد الألوية فيه؛ إذ يأمر المنادي أن ينادي في المسجد لما يجدّ الجدّ: «الصلاة جامعة»، وهذا في غير وقت الصلاة وكلّ الناس في أعمالهم، أمّا إذا كان الوقتُ وقتَ صلاةٍ؛ فإنّه يكون أذانا، فيأتي الصحابة ويخبرهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بما يريد، يأمرهم مثلا بتجهيز سريّة مكوّنة من عشرة شباب أو
(1) … «وحاشاه تعالى أن يحلّ في مكان، ولكن اتّخذ في الأرض بيوتا وقال: من أراد أن يزورني فليأت إلى بيت من بيوتي. وهذه منّة منّ الله تعالى بها على عباده». (من كلام الشيخ).