في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٤٠عشرين أو ثلاثين كي يبعثهم إلى إحدى الجهات لتأديب قوم من الأقوام، هذا هو الاكتتاب. وتارة يقصد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الأشخاص بأعينهم: «قم يا فلان، قم يا فلان»، فهو يجهّز الجنود ويعيّنهم في المسجد ويعقد اللواء هناك، وعَقْدُ اللواء يعني تعيين قائد الجيش، يختار الذي لا يترك العَلَم يسقط في الأرض وإن قُطِّع إربا إربا حتّى الموت، وكما مرّ بنا أنّه وفي الحروب القديمة ترى كلّ الجيش -على قدر اتّساع ميدان المعركة- ينظرون إلى العلم، فإن سقط سقطت قلوبهم؛ لأنّ سقوط العلم دليل على موت قائد الجيش، فكانوا يحرصون أن يبقى دائما مرفوعا، وغالبا فإن البؤرة التي يشتد فيها الوطيس ويحمى أكثر تكون حيث يكون اللواء، هناك تطير الرؤوس وسائر الأعضاء، وكلّما ابتعدنا عن حِمى اللواء، تفتر المعركة.
هذا هو المسجد في الزمن الأوّل وكذلك يجب أن يكون في كلّ زمان ومكان، لكن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لم يردّوا للمساجد قيمتها كما كانت من قبل، ولم يصلوا بعد إلى ما يُطلب منهم في شأن دينهم، ليس المسجد -كما يتوهّم بعض الذين يجهلون حقيقة الدين- للعجزة والمكفوفين والشيوخ الطاعنين في السنّ فقط، أمّا الشباب فلا يعنيهم المسجد!!، هذا خطأ وزيغ في التفكير، فالمسجد قد جُعل للشباب أيضا يعمرونه في أوقات الصلوات الخمس وفي الجمع وأوقات الذكر؛ هناك مركز عزّهم، يتلقّون فيه أوامر دين الله تبارك وتعالى التي ترشدهم إلى ما يُسعدهم دنيا وأخرى، كلّ هذا يجدونه في المسجد وليس في مكان آخر، لكن أخطأ المسلمون فأصبح المسجد لأناس فقراء يذهبون إليه عساهم يجدون من يتصدّق عليهم بحفنة تمر أو قطعة خبز، وقد ورد في الأثر: «أهان الله قوما أهانوا مساجدهم»، ومن جملة إهانة المساجد هذه العقيدة التي في قلوب بعض الناس.
وليس معنى ما ذكرته سابقا أن يأتي الشابّ إلى المسجد فيعتكف فيه متّكئا على عمود ويقول: «أنا أعبد ربي»، ثمّ لا يعمل، لا أبدا، إنّما إذا كان الوقت وقت صلاة أو درس أو حكمة تقال؛ فأنت في المسجد، فإن لم يوجد؛ فانتشر في الأرض وابتغ من