في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٤١فضل الله، والله تبارك وتعالى يأمرنا بهذا كما هو الشأن في صلاة الجمعة: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوِا اِلَىا ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمُ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(1) ، ثمّ قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(2) ، إذا أنهيتم الصلاة﴿فَانتَشِرُوا﴾، وعبّر هنا بالانتشار، ولم يقل: فإذا قضيتم الصلاة فاخرجوا، أو: فاتركوا، بل: ﴿فَانتَشِرُوا﴾، فلكلٍّ حرفته الخاصّة به، فيتوجّه كلٌّ إلى عمله مبتغيا من فضل الله وذاكرا له، هكذا شأن المسجد.
فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا بنى مسجد المدينة، بنى بيتا للعبادة وناديا للاجتماعات وثكنة للجنود…
وقد كان مسجد المدينة بيتا ومأوى لأهل الصُّفَّةِ. وأهلُ الصفَّة هم المؤمنون الذين يأتون من الخارج وليس عندهم مال ولا أهل ولا ولد، فينامون في زوايا المسجد ويبقون هناك يتلقّون الوحي إن جاء، وإن دعاهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى عمل فهم دائما حاضرون.
وقد رأى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم عليَّ بن أبي طالب كرم الله وجهه متّكئا في المسجد والتراب يعلوه وقد تشاجر مع زوجه فاطمة -رضي الله عنها- فغضب ولم يذهب إلى البيت فقال له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «قم يا أبا تراب»(3) ، فُلقّب عليّ بأبي تراب، بمعنى أنّ المسجد أصبح مأوى كذلك لمن لا مأوى له من فقراء المسلمين.
(1) … سورة الجمعة: الآية 9.
(2) … سورة الجمعة: الآية 10.
(3) … أخرجه البخاري عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-، قال: جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيتَ فاطمة فلم يجد عليّا في البيت، فقال: «أين ابن عمّك؟» قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، فخرج، فلم يَقِلْ عندي. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإنسان: «انظر أين هو؟» فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقّه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسحه عنه، ويقول: «قم أبا تراب، قم أبا تراب». (صحيح البخاري، كتاب: الصلاة، باب: نوم الرجال في المسجد، رقم: 432).