في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٤٣كانت هذه المسألة لم تطل كثيرا، فبعد أن فتح الله البلاد وأعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى للمهاجرين نزل قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُو الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَىا بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلآَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَىآ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَالِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾(1) .
هكذا فرح الأنصار بإخوانهم المهاجرين وتآخوا فيما بينهم، وعُقد بينهم رباط غريب في ذاته، فأصبح المسلمون من سكّان المدينة كتلة واحدة متراصّة لا ينفكّ بعضهم عن بعض ولا أحد يقدر أن يفرّق بينهم لا بحرب ولا بسلم، وهذا أمر ضروريّ لتكوين دولة، ولقد تمّ هذا في وقت قصير، فتمكّنت تلك المودّة في قلوبهم، واقتسموا أموالهم مع بعضهم، ونصر بعضهم بعضا مثلما وصفهم الله تبارك وتعالى، وهذا من أعظم ما قام به النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المدينة.
[3- تعيين النقباء] :
وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد عيّن في بيعة العقبة -قبل الهجرة- لكلّ قبيلة من قبائل الأنصار نقباءَ، رواية تقول إنّه فوّض أمر اختيارهم إليهم، ورواية أخرى تقول إنّه هو الذي تولّى تعيينهم بنفسه، وقام بهذا؛ لأنّه يعلم أنّ القوم لا يصلح أمرهم إن لم يكن لديهم رئيس يقودهم، وإذا قال كلمة اتّبعوه، وإذا وقع خلاف بينهم احتكموا إليه:
… لا يصلح القوم فوضى لا سَراة لهم … و لا سَراة إذا جُهَّالُهم سادوا(2)
(1) … سورة الأحزاب: الآية 6.
(2) … القائل هو: الشاعر الأفوه الأودي، وممّا قال أيضا:
لا يَصلح الناسُ فوضى لا سَراة لهم … ولا سَراة إذا جُهّالهم سادوا
والبيت لا يُبتنى إلا له عَمَد … ولا عِماد إذا لم تُرسَ أوتادُ
فإن تجَمَّعَ أوتادٌ وأعمدة … يوما فقد بلغوا الأمر الذي كادوا
… (ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد: ج1، ص09).
… ملاحظة: البيت ورد بلفظة: «القوم» كما قالها الشيخ رحمه الله، ووردت أيضا بلفظة: «الناس»، والوزن في كلا اللفظتين مستقيم.