في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٤٤وتعيين عريف للقوم شيء ضروريّ في الإسلام، تماما مثلما فعل سيّدنا موسى - عليه السلام - : ﴿وَاخْتَارَ مُوسَىا قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا﴾(1) ، فإذا أراد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - شيئا إلى القوم فلا يلزم أن يجمعهم كلّهم، إنّما يستدعي النقباء.
وقد حدث ذات مرّة في غزوة حنين حينما أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم حكما في الغنيمة إذ شاور كلّ الناس الجالسين فقالوا له: «قبلنا يا رسول الله»، فقال لهم: «ارجعوا حتّى يرفع إلي عرفاؤكم(2) أمركم»(3) ؛ أي اذهبوا وتشاوروا فيما بينكم وليأتني من كلّ عرش نقيبهم رافعا إليّ نتيجة ما اتّفقتم عليه. هناك يكون متيقّنا بأنّ ما قبله الناس كان عن رضًا وتروٍّ، وهذا في الحقيقة كما يعبّرون: «ديموقراطية الإسلام»، وليست كالدكتاتوريات التي تُمارس في بعض الأزمنة والأمكنة ويسمّونها ديموقراطيّة.
[4- عقد معاهدات مع يهود المدينة] :
لمّا ضبط النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمور المسلمين وركّز دعائم الأمّة الإسلاميّة؛ التفت إلى اليهود، ولم تكد تمض إلاَّ بضعة أشهر حتّى عقد معهم معاهدة حسن الجوار «bon voisinage» أو ما يسمّونه الآن بالتعايش السلميّ وعدم الاعتداء «Non agression».
واليهود في الأصل قد سكنوا المدينة منذ زمن قديم ردّه بعضهم إلى أكثر من ألف عام، حتّى أنّهم سكنوا المدينة وعمّروا فيها قبل أن يقدم إليها الأوس والخزرج الذين هاجروا من اليمن بعد أن وقع خراب سدّ مأرب، الذي ذكره الله تبارك وتعالى
(1) … سورة الأعراف: الآية 155.
(2) … «وإلى اليوم لفظة ”عريف“ لقبٌ من ألقاب الجنديّة». (من كلام الشيخ).
(3) … أخرجه البخاريّ عن المسور بن مخرمة أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين أذن لهم المسلمون في عتق سبي هوازن: «إنّي لا أدري من أذن منكم ممّن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمرَكم». فرجع الناس فكلّمهم عرفاؤهم، فرجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبروه أنّ الناس قد طَيَّبوا وأَذِنوا. (صحيح البخاري، كتاب: الأحكام، باب: العرفاء للناس، رقم: 6776).