في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٤٥في سورة سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسَاكِنِهِمُ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَّمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيُ اكْلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَالِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ يُجَازَىآ إِلاَّ الْكَفُورُ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى التِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا ـ امِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ…﴾(1) ، كانت سبأ تتمتّع بحضارة راقية وبنيان عظيم ويكفي أنّ الله تبارك وتعالى وصفها بالآية أي الأعجوبة، وكانت تتمتّع أيضا بواد خصب طويل يقطعه الراكب في ليالي وأيّام، وأغدق الله عليهم من النعم والخيرات حتّى إنّ المسافر كان يبيت في قرية ويفطر في أخرى ويتغدّى في ثالثة، فلا وجود للصحراء ولا للبادية، حتّى ملّ أهلها هذا النعيم وهذه الرفاهية وقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾؛ فسلّط الله تبارك وتعالى الخراب على سدّهم سدّ مأرب الذي كان آية في حدّ ذاته بناء وهندسة وأحد أعاجيب الدنيا الذي بناه ملك من ملوكهم الأقدمين، فسلّط الله عليه نوعا من الجُرذ فأكلوا ذلك السدّ من أسفله فخُرِّب فغشيهم سيل العرم فتفرّق أهلها وفنيت.
وأصبح العرب بعد ذلك إذا أرادوا أن يصفوا قبيلة تشتّت أهلها وتفرّقوا كلّهم يقولون: «تفرّقوا أيدي سبأ».
فشرّقوا وغرّبوا في الدنيا، [و] كلّ أخذ وجهته، فأصبح منهم الغَسَاسِنَة الذين كانوا من أتباع الروم في جهة الشام، وأصبح منهم المَنَاذِرَة أتباع الفرس في جهة الحيرة بالعراق، ومنهم من جاء إلى يثرب واستقرّ بها؛ فهؤلاء هم أجداد الأوس والخزرج، ولمّا وصلوا يثرب وجدوا أنّ اليهود قد عمّروها.
ووقع بينهم وبين اليهود أوّل الأمر حروب ومن بعد اتّفقوا وتعاونوا.
إذن فاليهود موجودون في المدينة منذ زمن قديم.
(1) … سورة سبأ: الآيات 15-19.