في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٤٦

وكانت لدى اليهود أحياءُ أيضا كبني قُرَيظة وبني النضير وبني قينُقاع، بين كلّ حيّ وآخر مسافة عدّة أميال، وهم كلّهم متّفقون فيما بينهم، ولكن لمّا كثرت ذرّيتهم افترقوا، وكانت العداوة بينهم فانقسموا، صفٌّ مع الأوس وصفّ مع الخزرج، وهذه سُنَّةُ الله في خلقه.

وكذلك الأوس والخزرج الذين عمروا المدينة، استشرت العداوة بينهم وتمكّنت منذ الجاهليّة، فكم من قرن والحرب بينهم، وكانت الغلبة دُوَلا بينهم مثلما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَتِلْكَ الاَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾(1) ، فمرّات تكون للأوس ومرّات للخزرج، وآخر حرب وقعت بينهم كانت قبل البعثة النبويّة بنحو أربع أو خمس سنين(2) وسُمّيت بـ: «يوم بعاث»، وهو يوم كبير جدّا، وأراد الله أن تكون الغلبة فيه للأوس، وهذا من بين الأسباب التي فتح الله تبارك وتعالى لهم بها باب الإيمان لمّا ذهب البعض إلى مكّة لكي يتقوّوا بقريش عساهم يجدون عرشا يتحالف معهم، فالتقوا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - وعرض عليهم الإسلام فقالوا لبعضهم بعضا: «لعلّ هذا الأمر خير ممّا جئنا من أجله، نحن جئنا إلى مكّة لكي نكسب أنصارا من قريش فأتى الله بهذا النبيّ وهذا الدين الجديد، فلنسبق إليه قبل أن يسبقنا اليهود»، وقد كان اليهود: ﴿مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذِينَ كَفَرُواْ﴾(3) ، أي يقولون لهم: «سيأتيكم نبيّ، ويوم يأتيكم سنحاربكم ونغلبكم ونستأصلكم من الدنيا كلّها، [ونقتلكم] قتل عاد وإرم». فاليهود أهل كتاب يقرؤون التوراة ويعرفون كلّ ما أخبرت به من مقدم نبيّ آخر الزمان: متى يبعث؟ وأين؟ وما هي صفاته؟، مثلما قال الله تبارك وتعالى: {الذِي

(1) … سورة آل عمران: الآية 140.

(2) … شكّ في عدد السنوات فقال: «على ما أذكر»، والصواب أن يوم بعاث كان بعد البعثة وليس قبلها، وهذا محلّ اتّفاق بين المؤرّخين وكتّاب السيرة، لكنّهم اختلفوا في السنة، فقيل: في السنة السادسة للبعثة، وقيل: في السنة السابعة، وقيل: في السنة الثامنة. انظر مثلا: سيرة ابن هشام، وسيرة ابن كثير.

(3) … سورة البقرة: الآية 89.

٣٤٦ / ٤٥٥