في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٤٧يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ}(1) ، وقال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾(2) ، فاليهود متحقّقون ويعرفون أنّ وقت مبعثه قد حان.
وأراد الله بالأنصار خيرا فسبقوا اليهود وأسلموا وقالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - : «يا رسول الله، أنت تعرف العداوة التي بين قومنا في يثرب، منذ قرون ونحن دائما في حروب، ما إن تضع حرب أوزارها حتّى تقوم أخرى، فإن أصلح الله بك هذه الفتنة وأطفأها وأرجع أهل المدينة-الذين هم أبناء جدّ واحد- رجلا واحدا؛ لا يكون في الدنيا أعزّ ولا أحبّ إلينا منك». وهذا هو السرّ في بدء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بإزالة العداوة المستشرية فيهم، والمؤاخاة بينهم ثمّ ربطهم مع المهاجرين في مؤتمر الإخاء، وبعد هذا التفت إلى اليهود.
واليهود -كما ذكرنا من قبل- مهرة في التجارة والصناعة، فبنو قينقاع مثلا الذي سكنوا في قلب المدينة أهلُ ذهب وفضّة وتجارة، وبنو قريظة الذين سكنوا ضواحيها كانوا أهل تجارة، وكانوا أهل غنم وإبل وأهل غابات وأجنة ومروج كذلك، ومن خيرات الله على المدينة أنّ أرضها طيّبة خصبة وماؤها عذب نمير.
وبما أنّ اليهود هم السابقون في المدينة، وبما أنّهم مهرة في التجارة والعمل والمراباة وصياغة الذهب والفضّة، والأراضي والمروجُ والضياعُ بين أيديهم، والسوق الأكبر في المدينة هو سوق بني قينقاع؛ أصبح الأوس والخزرج مضطرّين إلى أن يُذِلّوا أنفسهم لليهود، فمن أراد أن يتاجر ويربح فليذهب إلى هذه السوق في حيّ اليهود، ومن أراد أن يستلف مالا فالرّبا في انتظاره والرهنُ كذلك.
ثمّ إنّ هؤلاء ليسوا كيهود اليوم كما قد يتصوّرهم بعضنا، فهؤلاء تَربّوا في البلاد العربيّة وكثير منهم أصلهم عرب(3) ، ولذلك كان لديهم أبطال وشجعان في
(1) … سورة الأعراف: الآية 157.
(2) … سورة البقرة: الآية 146.
(3) … وإلى وقتنا هذا يوجد يهود أصلهم عرب ويعيشون في بلاد عربية ويُسَمَّون بـ: «اليهود الشرقيين».