في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٤٩

المسلمين، لكنّ الله تبارك وتعالى انتقم منهم شرّ انتقام، إنّما في تاريخهم عبرة مهمّة جدّا لو اعتبر بها المسلمون؛ فإنّهم لا يطلبون تاريخا لليهود أكثر من تاريخ يهود المدينة، فقط يُسقطون الذي فعلوه وقتئذ على ما يصنعونه اليوم في العالم فيعتبرون، ومن الغريب أنّ قوّة المكر والدسّ والتحريش لا تزال بيد اليهود إلى اليوم، مثلما لا تزال قوّة المال بأيديهم إلى اليوم، ولا يزالون يندسّون وسط الأمم للإفساد كي تكون لهم السلطة، [فهذا] يهوديٌّ من أقصى المشرق وآخر من أقصى المغرب، هذا جنسيّته مثلا روسيّة أو صينيّة والآخر جنسيّته أمريكيّة أو سويديّة، لكنّ رباطا غريبا من اليهوديّة يربط بينهم.

وأخبارهم عجيبة في المدينة، خاصّة وأنّ معهم المنافقون، هذه الطبقة التي خُلقت من أوّل يوم وُجد فيه المؤمنون المخلصون، وهؤلاء المنافقون هم الناس الذين لم يرد الله بهم خيرا، إذ تظاهروا بالإسلام وأضمروا الشرك، فأصبحوا شوكة بجنب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، اليهود من جهة، والمنافقون من جهة أخرى.

ولمن يقرأ تاريخ الأدب العربيّ يجد أنّ لليهود شعراء ماهرين بلغاء حكماء من الذين يُضرب بهم المثل [في الفصاحة]، من أشهرهم السموأل بن غريض بن عادياء(1) ، وله قصيدة مهمّة في الأخلاق نحفظها من الصغر، والمتأدّب من الشباب يحفظها عن ظهر قلب ويتمثّل بما فيها، هذا مطلعها وبعض أبيات منها:

إذا المرء لم يَدْنَس من اللُّؤْمِ عرضُه … فكل رداء يرتديه جميلُ

وإن هو لم يحمل على النفس ضَيْمَها … فليس له إلى حسن الثناء سبيلُ

سلي إن جهلت الناس عنا وعنهمُ … فليس سواءً عالم وجهولُ

(1) … السموأل بن غريض بن عادياء الأزدي: شاعر جاهليّ حكيم، من سكان خيبر -في شمالي المدينة-، أشهر شعره لاميته التي مطلعها:

… ... إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه … ... فكلّ رداء يرتديه جميل

… وهي من أجود الشعر. (انظر: الزركلي، الأعلام: ج3، 204).

٣٤٩ / ٤٥٥