في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٥٩قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىا شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}(1) ، أنّهم وبعد عشر أو خمس عشرة سنة زالت تلك العداوة التي كانت بينهم، حتّى أصبحوا كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ كنتم أعداء فطهّر قلوبكم وصفّاها، ونزع منها تلك العداوة كلّها، وجعلكم إخوة، فأنت والذي قتل أباك أو قتل أخاك أو ابنك إخوةٌ، لا تفكّرون في شيء من الماضي أبدا على قرب عهده، لم تمرّ مئات السنين فنُسي، بل ما زال الذين شهدوا الحرب الأخيرة للأنصار كلهم حاضرين، فالعهد قريب جدّا.
ومن الصعب جدّا أن يجمع أحد بين قلبين هذا واتر وهذا موتور، هذا قتل وليّ هذا، ولسان حالهم يقول: كيف سأجتمع مع هذا الذي قتل أبي؟!، ولكن هذا وقع بفضل الإسلام، وبفضل دعوة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لكي تتكوّن هذه الكتلة المتراصّة، قليلةُ العدد ولكن سيكونون أنصار الله، وهذا هو سرّ تسمية أهل المدينة «الأنصار»(2) ، فهذا اسم [اختاره] الله [لهم]، ولم يَتسمَّوا هم به منذ القديم منذ آبائهم وأجدادهم، ما كانوا يعرفون هذه الكلمة، هؤلاء أوس وهؤلاء خزرج، عرشان، وفي كلّ عرش عدد من العشائر: بنو النجّار، بنو عمرو بن عوف، بنو الأشهل، بنو عدي…، ولكن لمّا دخلوا في الإسلام ونصروا دين الله، أطلق الله تبارك وتعالى عليهم في كتابه «الأنصار»، ولهم فضل وشرف كبير أن يلقَّبوا بهذا اللقب، فهو ليس كالألقاب الذي نضعها نحن لأحد من كبارنا أو علمائنا أو أبطالنا، أو لعرش أو لأناس ذلك العرش، فنسمّيهم شهداء أو نسمّيهم أنصارا، هذه كلّها تسمياتنا نحن، ولكن التسمية الحقيقية هي تسمية الله.
﴿وَالذِينَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوا﴾(3) بالفعل، أثبت إليهم النصر ثمّ أطلق عليهم [اسم]: «الأنصار»، لماذا؟؛ لأنّهم حقيقة القوّة الأولى التي تكوّنت. ويدلّ على هذا
(1) … سورة آل عمران: الآية 103.
(2) … «أمّا الآخرون الذين أتوا من مكّة، فأطلق عليهم لفظ ”المهاجرين“: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ﴾ [سورة التوبة: الآية 117] ». (من كلام الشيخ).
(3) … سورة الأنفال: الآية 72، والآية 74.