في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٦٥

قبل في المدينة؛ إذ كان الحال فيها من قبلُ أنّ هذا لا يكلّم هذا، وهذا العرش لا يكلّم ذاك، فأصبحوا متحابّين متآخين، يلتقون مع بعضهم بعضا، [لما رأى اليهود هذا قالوا فيما بينهم]: «نحن دورنا في المدينة انتهى، إن بقيت هذه الرابطة بين هؤلاء؛ لم يبق لنا شيء، يجب أن نسعى للتفريق بينهم، نكفر بدينهم، ونشتّت شملهم، ونفرّق كلمتهم». وتعاهدوا على هذا.

في يوم من الأيّام -وهذا من جملة مكرهم- جاء أحد من كبارهم ومرّ على جماعة فوجد الأوس والخزرج مجتمعين في مكان، فرأى حالتهم ومخاطبتهم فوجدها مخاطبةَ أناس متحابّين كأنّهم أبناء أب واحد وأمّ واحدة، فذهب إلى قومه فقال: «قوّتنا في المدينة ذهبت، إن بقي هؤلاء الناس على هذه الحالة؛ لم يبق لنا شيء، لنحملْ أمتعتنا ولنرحلْ، هذه الرابطة التي بينهم، هذه الوحدة، وهذه المحبة التي بينهم لن تتركنا نعيش في هذا الوطن أبدا، فلنفرّق بينهم». فنادى لأحد من شباب اليهود وأمره أن يذهب إلى تلك الجماعة فيجلس معهم [ويوقع بينهم].

ذهب ذلك اليهوديّ فجلس معهم(1) ودخل معهم في الكلام، كلام من هنا وكلام من هناك، فتذاكروا الحروب الماضية، وتذاكروا المعركة الأخيرة يوم بعاث، المعركة الكبيرة الأخيرة التي انتصر فيها الأوس على الخزرج، واليهوديّ الخبيث من حين لآخر يجرّ الحديث بلطف إلى جهة الحروب القديمة، فبدأ كلٌّ يذكر ماذا حقّق من انتصارات تجاه خصمه، هؤلاء يقولون: «نحن قتلنا فلانا من أبطالكم»…

والآخرون يقولون: «ونحن أيضا قتلنا لكم فلانا»…

وهؤلاء شباب والدماء ساخنة، وبالطبع قلب الإنسان لابدّ وأن يتأثر، فبدأت الدماء تغلي، وفي الوقت قال أحد من الخزرج -المغلوبون يوم بعاث قبل أن يهاجر

(1) … « وهم -كما قلنا من قبل- كلّهم متخالطون، حتى اليهود فيهم عرب أصليّون، ولكن الديانة يهوديّة». (من كلام الشيخ).

٣٦٥ / ٤٥٥