في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٦٧

هذا مثال من أمثلة كثيرة لمكر اليهود لكي يفرّقوا [بين أهل المدينة]، لكنّهم أشعلوا النار فلم تلتهب، اشتعلت قليلا فانطفأت بمجرّد أن جاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وذكّرهم بالإيمان، ونهاهم عن دعوى الجاهلية.

ولنا هنا عبرة علينا أن نفهمها ونعتبر بها جميعا كبارنا وصغارنا وشبابنا، حرام على أحد أن يستنصر بقومه؛ لأنّها دعوى الجاهليّة، يُظلم أحد مثلا فيأتي لكي يستغيث، فماذا يقول؟، حرام أن يقول: «أين أنتم يا بني فلان»؛ [أي يستغيث] بعشيرته، لا، استغث بالمسلمين، ناد: «أغيثوني أيّها المسلمون»، «يالَلَّه للمسلمين»، هذه دعوة الإسلام، لكن أن تقول: «أغيثوني يابني فلان»، أو: «أين أنتم يا بني فلان»، فهذه هي دعوى الجاهليّة، هذه هي المحرّمة، هذه هي العصيان والكفر، هذه هي التي قال عنها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حادثة غير هذه: «دعوها فإنّها منتنة»(1) ، تعبير غريب من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي: إذا نطق بها أحد، فكأنّه أشاع نَتْنا في الوسط. استغث بالمسلمين، فالمسلم ينصر أخاه المسلم، ولو كان أخوه هو الذي يضربك ويضرّك، قل: «أغيثوني أيّها المسلمون»، يأتي أخوه فيفكّك من بين يديه وينصرك، فما ألجأنا إلى: «يا بني فلان»؟!.

فلنتعلّم هذه الكلمة جيّدا، ولنحذر من استعمالها، فإنّها سبب الشرّ في كلّ زمان ومكان. وسببُ الخير؛ الاستغاثة بالمسلمين، «أين أنتم أيّها المسلمون»، «أغيثوني أيّها المسلمون»…

استغث بالمسلمين؛ يأتيك كلّ من في قلبه ذرّة من الإسلام فينصرك، سواء قريبك أو بعيد عنك، وسواء الذي يظلمك أخوه أم ليس أخاه، وهكذا «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ولا يخذُله»(2) ، «المسلم أخو المسلم لا يظلمه»، «ولا يخذله» إن استغاث به، «ولا يسلمه» لا يتركه لأحد يظلمه.

(1) … متفق عليه عن جابر بن عبد الله. صحيح البخاري، كتاب: تفسير القرآن، سورة البقرة، باب: قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمُ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمُ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، رقم: 4625 ، وصحيح مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: نصر الأخ ظالما أو مظلوما، رقم: 4788.

(2) … سبق تخريجه.

٣٦٧ / ٤٥٥