في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٧١وقتئذ نادوا كلّهم: «كذبت».
وبدؤوا يطعنون فيه.
فقال: «يا رسول الله، ألم أقل لك إنّهم قوم بُهْتٌ»؛ أي أصحاب غدر وفجور وبَهت، لا يتورّعون عن الكذب ولا عن البهتان ولا عن نقض العهود أبدا.
وهكذا دام هؤلاء على كفرهم، أمّا هو -رضي الله عنه- فأصبح من خيار المسلمين، وَرِعًا في دينه.
وممّا يُذكر عنه أنّه لم يشارك أبدا في حروب الفتن التي وقعت بين الصحابة يوم الجمل بين عليّ من جهة وطلحة والزبير وعائشة من جهة، ولا يومَ صفّين بين عليّ ومعاوية، بل اعتزل كلّ الفتن.
وهو الذي قال مرّة للإمام عليّ لما استقرّ له الأمر في المدينة وأراد أن ينقل العاصمة إلى الكوفة بطلب من قومه:
«الزم منبر رسول الله يا أمير المؤمنين، فإنّك إن تركته فلن ترجع إليه أبدا»(1) ؛ أي الزم المدينة فإنّك إن غادرتها فلن ترجع إليها.
فلم يطع [عليٌّ] كلامَه؛ وكان كذلك كما قال.
وهو الذي فضح اليهود لمّا خبّؤوا الآية في التوراة مثلما قال الله في القرآن: ﴿قُلْ فَاتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(2) ، اختلفوا على حكم الرجم، فقال لهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «يوجد عندكم الحكم في التوراة».
(1) … «فعاصمة الإسلام في زمن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان كانت المدينة، وقُتل عثمان في المدينة، وبيته الذي قُتل فيه مشهور إلى الآن بجنب الحرم، لكن شيعة الإمام عليّ -الذين هم أنصاره- طلبوا منه أن يجعل العاصمة في الكوفة بالعراق؛ لأنّ معاوية جعل عاصمته في دمشق». (من كلام الشيخ).
(2) … سورة البقرة: الآية 93.