في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٨٣ومبعث النور الأوّل، ولكن الدولة تكوّنت في المدينة لحكمة يعلمها الله، تكوّنت في المهجر بعد أن {أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ اِلآَّ أَن يَّقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ(1) }(2) ، فهم قد اختُبروا، فهؤلاء الذين يمكن أن تبنى عليهم الأسس، وتكونَ رؤوسهم وأرواحهم كلّها أسسا لهذه الدعوة الإسلاميّة، ولهذه الدولة الإسلامية التي لا يزال نورها يشعّ على العالم، ولن يفلح العالم ولن يتمتّع بسلام إلا إذا عاد إلى الإسلام.
وهذه [الدولة الإسلاميّة] على ماذا بُنيت؟.
بُنيت على هؤلاء الذين اختبرهم الله وامتحنهم، فصبروا على ما أوذوا في سبيل الله، ولا يوجد شيء أكبر وأعظم على الإنسان من هجرة وطنه ومسقط رأسه، ومراتع صباه ومراحه، [وموطن] أعمامه وأخواله وعائلته، مراحُ الصِّبا هذا له قيمة كبيرة جدّا، ومفارقة الأوطان من أشدّ وأصعب الأشياء في الدنيا، فكيف يكون الأمر إذا كان هذا الوطن هو الوطن الذي فيه ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾(3) …؟!
والذي فيه البيت الحرام…
وزمزم والمقام…
ومواطئ أقدام إبراهيم وإسماعيل اللذين رفعا القواعد من البيت؟!…
هل يستطيع أن يفتح إنسان فاه في الدنيا ويقول: «إنّ هناك بقعة في الأرض أشرف من البيت الحرام؟!»…
هذا لكي تتصوّروا كم هي قيمة الهجرة من الأوطان وكم هو البلاء، ولا نتصوّر هذا دون اعتبار أنّ للمقام -أي مسقط الرأس- قيمةً معنويّة أو مكرُمة أو فضيلة تاريخيّة مثلا، فلمَراتع الصّبى قيمةٌ لا تنسى.
(1) … «أي السابقون الأوّلون من المهاجرين». (من كلام الشيخ).
(2) … سورة الحجّ: الآية 40.
(3) … سورة آل عمران: الآية 96.