في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٨٤

… كم منزل في الأرض يألفه الفتى … وحنينه أبدا لأوّل منزل(1)

فالهجرة من أيّ وطن مهما كان فقيرا أو غنيّا، ومهما كان في صحراء أو في بلاد خصبة، صعبٌ ومن أشدّ الأمور على الإنسان، وإذا أضفنا إلى هذا ما هو أكبر، بأن كان لهذا الموطن مقام لا يدانيه على ظهر الأرض مقام، ندع لكم أن تتصوّروا كم قيمة البلاء الذي ابتُلي به المسلمون لما أُذن لهم بالهجرة، أو لمّا اضطُرّوا إلى الهجرة فرارا بدينهم.

حتّى إنّه ورد في هذا الباب أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لما وصل المدينةَ، والمدينةُ كما تعلمون بلد خصب فيه واحات وأشجار ونخيل وعنب، وهي غزيرة المياه، وبالطبع فحيث تكون هذه البرك؛ يكثرُ الماء، ولو كان الماء عذبا حلوا، وحيث تكون البرك؛ تكون المستنقعات وتكون الأمراض والحُمِّيات، منها حمى المستنقعات المعروفة بـ «pali-رضي الله عنه-ise» ونعرفها نحن جيّدا؛ لأنّ أكثر مَن هنا بلوناها في وارجلان وفي وادي ريغ(2) ، هذه البلاد المعروفة بالحمى، إلا في هذه العهود الأخيرة لما توفّرت وسائل العلاج والأدوية المبيدة للحشرات؛ نقُصت.

كانت المدينة موبوءة، فلمّا وصل إليها المهاجرون اجتمع عليهم أمران:

( الهجرة أو الخروج من أقدس بقعة في الأرض، وهذا أعظم ما يصاب به الإنسان في الدنيا.

( وجدوا المدينة موبوءة، ما وصلوا إليها في الأيّام الأولى حتّى مرضوا.

تقول عائشة -رضي الله عنها- في العام الأوّل قبل أن يبنيَ بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «كان أبو بكر ومولاه عامر بن فُهَيرة وبلال في بيت واحد في المدينة، فدخلتُ عليهم فسمعتُ أبا بكر وقد اشتدّت عليه الحمى وهو يقول:

(1) … هذا البيت للشاعر أبي تمام الطائيّ، ويقول قبله:

… ... نَقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى … ... ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل

… (الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء: ج3، ص51).

(2) … منطقتان تقعان في الجنوب الشرقي للعاصمة الجزائرية.

٣٨٤ / ٤٥٥