في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٨٥كلّ امرئ مُصَبَّحٌ في أهله … و الموتُ أدنى من شِراك نعله
في أبيات يتكلّم بها. فاحتارت عائشة وقالت: «إنه يهذي(1) ».
ثمّ سمعت بلالا يقول:
ألا ليت شِعري هل أبيتنّ ليلةً … بواد وحولي إذْخِرٌ وجليلُ
و هل أرِدَنْ يومًا مياه مَجَنَّةٍ … و هل يَبْدُوَن لِي شامَةٌ وطُفَيْلُ
أي: يا ترى هل يأتي يوم وأرجع فيه إلى مكّة، وأكون بشامة وطفيل وأَرِدَنْ مجنّةً....؟، يذكر بلال -رضي الله عنه- الأماكن التي كان يروح ويغدو فيها ويحنّ إليها وهي في مكّة.
وسمعتْ كذلك عامر بن فُهيرة يقول أبياتا أخرى لست مستحضرها جميعا(2) ، فاشتدّ الأمر على عائشة، فذهبت إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقالت له: «يا رسول الله، إنّ الحمى قد اشتدّت عليهم، وإنّهم ليهذون».
فهم إذن لم يذهبوا أوّل ما ذهبوا إلى أرض أطيب من مكّة وأنقى هواء منها، [بل] صادفهم أوّل ما صادفهم هذا الوباء، ولكن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دعا دعوته المشهورة:
(1) … «يهذي؛ أي يتكلّم بكلام غير معقول بتأثير الحمى، ونعرف أنّ تأثير الحمى وخاصّة حمى المستنقعات هذه يبتلى أصحابها بالهذيان، وقد بلونا أمامنا كثيرا من إخواننا وهم يهذون، يرون أشياء لا نراها ويسمعون أصواتا [لا نسمعها] ». (من كلام الشيخ).
(2) … لمّا سألته عائشة -رضي الله عنها-: «كيف تجدك يا عامر؟»، قال:
لقد وجدت الموت قبل ذوْقهِ … إنّ الجبانَ حتفُه من فوْقهِ
كلّ امرئ مجاهَد بطَوْقِهِ … كالثَّوْر يَحْمِي جِلْدَه برَوْقِهِ
… (سيرة ابن هشام: ج3، ص132).
… الطَّوْق: الطاقة؛ أي أقصى غايته.
… أمّا الرَّوْق: فهو القرن، والجمع: أرواق. (ابن منظور، لسان العرب: ج10، ص231، مادة: طوق، وص131، مادة: روق).