في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٨٦«اللّهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكّة وأشدّ، اللّهمّ بارك في صاعها، اللّهمّ بارك في مُدّها، اللّهمّ انقل حماها إلى مَهْيَعَة(1) »(2) .
فاستجاب الله تبارك وتعالى لنبيّه ونقل هذه الحمى من المدينة إلى الجحفة، وأصبحت طَيْبةُ أطيبَ بلاد الله مناخا، وأعذب بلاد الله ماء(3) ، فلم يبق فيها أثر ممّا كان فيها قبل. وهكذا طهّرها الله تبارك وتعالى من هذا الوباء.
ومكّة كان حبّها في القلب، وهنا النكتة في هذا الحبّ «كحبّنا مكّة وأشدّ»، والله تبارك وتعالى فعّال لما يريد، والقلوب كما ورد في الأثر: «بين أصبعين من أصابع الرحمن»(4) ، فحبّبَ إليهم المدينة، فكانت وطنهَم الثاني، بل أصبحت هي الأصل، حتّى إنّ المهاجريّ لا يجوز له أن يرجع في هجرته ولو بعد فتح مكّة بعد أن أصبحت دارَ إسلام.
قد يخطر بالبال أنّ هذه الهجرة وجبت لمّا كانت مكّة دار شرك، وبعد الشرك أصبحت دار حرب، ولما فُتحت في العام الثامن أصبحت دار إسلام؛ إذن هل يجوز للمهاجريّ أن يترك المدينة ويذهب إلى مكّة وطنه الأصليّ؟.
(1) … «وهي معروفة اليوم بـ: «الجُحْفة» مقابل رابغْ». (من كلام الشيخ).
(2) … الرواية متّفَق عليها عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت- في نهاية القصة-:… ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اللهمّ حبِّب إلينا المدينة كحُبِّنا مكّة أو أشدّ، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مُدِّنا، وصحّحها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة». قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله. (صحيح البخاري، كتاب: كتاب الحج، فضائل المدينة، باب: كراهية النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تُعْرَى المدينة، رقم: 1799، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب: فضل المدينة، رقم: 2522 . واللفظ للبخاري).
(3) … «وطيبة -كما يعرفها الذين زاروها وهم بيننا كثر- [تمتاز] بالماء العذب الطيّب والهواء النقيّ». (من كلام الشيخ).
(4) … أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن قلوب بني آدم كلَّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اللهم مصرَّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك». (صحيح مسلم، كتاب: القدر، باب: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، رقم: 4905).