في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٨٧

لا، لا يحقّ له، بل يستمسك حتى يتمّ له أجره عنده الله.

حتّى إنّ بعضا من الصحابة المهاجرين رضي الله عنهم من صادفته منيتّه في مكّة في رحلة من رحلاته إليها، فصار يبكي خائفا أن تفسخ هجرته، كأنّه عاد مرّة أخرى إلى الوطن الذي خرج منه فرارا بدينه، لكنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنّ الذين جاءتهم منيّتهم وهم في مكّة حجّاجا أو معتمرين أو في أمر من الأمور التي يضطرّ الإنسان إلى السفر من أجلها؛ لم تبطل هجرتهم، ولذلك بقي المهاجرون متمسّكين بالمدينة؛ لأنّ الهجرة كانت في ذلك الوقت واجبة، حتّى أنّ من ادّعى الإيمان ولم يهاجر لا يتمّ له إيمان: ﴿وَالذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُم مِّنْ وَّلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىا يُهَاجِرُوا﴾(1) ، لم يعذر الله تبارك وتعالى أيّا من المؤمنين [أن] يبقى في مكّة إلا من استثناه بصريح الآية: ﴿اِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾(2) ، هؤلاء عَذَرَهم، أمّا من استطاع فليتحمّل.

فانظروا إلى لون هذا الابتلاء، وإذا أضفنا إليه مرض الحمّى الذي بالمدينة؛ نرى عظم المصيبة التي ابتُلي بها المهاجرون الأوّلون.

[أُخرجوا من ديارهم وأموالهم] :

أُخرجوا من ديارهم وأموالهم

ولم يخرجوا من ديارهم فقط، بل خرجوا من أموالهم [أيضا]، فكثير من المهاجرين كانوا أغنياء ولديهم مال بمكّة، فتركوه. والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كانت عنده بمكّة ديار فتركها، ولذلك قال له -أظن الإمام علي- يوم الفتح: «أننزل بدارنا؟».

فقال له: «وهل ترك لنا عقيل من دار؟!». عقيل بن أبي طالب أخو الإمام عليّ سطا على أموال النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى دوره، فلم يُبق له شيئا في مكّة، فهو مسافر لا يملك

(1) … سورة الأنفال: الآية 72.

(2) … سورة النساء: الآية 98.

٣٨٧ / ٤٥٥