في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٨٩ليعينوا على استثمار خيرات البلاد وكنوزها، وإلا فالأعمّ الأغلب المعروف في كلّ بلاد، أنّ أهل الوطن -أيَّ وطن- يكرهون من يهاجر إليهم، فأصحاب المدن يكرهون من يدخل إليهم كما هو واقع اليوم، وأصحاب العواصم دائما محتارون من أصحاب الأرياف الذين يتركون ديارهم في الريف وفي الصحاري والجبال والأودية ويدخلون إليهم العواصم ويغيظهم هذا، حتّى الحكومات تحتار في هذا وتتخذ كلّ وسيلة لكي توقف هذه الهجرة من الريف إلى المدينة؛ لما فيها من أخطار. وهذا طبع البشر.
أنت في مدينتك بودّك أن لا يأتيك مهاجرٌ حتّى تبقى لك خيرات المدينة، ولكن الله تبارك وتعالى خصّ الأنصار بهذه المكرمة وطهّر قلوبهم حتّى قال فيهم -ولولا [أنّها] شهادة الله لقلنا: ربّما فيها مبالغة-: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: هم يطلبون ويتمنّون ويرغبون في الهجرة، كلّ أحد يقول لأخيه المهاجريّ: «تعال انزل عندي على الرحب والسعة، أقاسمك مالي».
[مشكل اليهود في المدينة] :
مشكل اليهود في المدينة
[وقد] يظن ظانّ ممّن لم يتفقّه في السيرة أنّ المهاجرين وجدوا بلادا طيّبة الهواء، ووجدوا فيها قوما آووهم ونصروهم وكأنّهم لم تعترضهم صعوبات في تكوين هذه الدولة التي ما هاجروا إلا من أجلها؛ لأنّها حكمة الله تبارك وتعالى، ولكن الأمر عكس [هذا]، نعم وجدوا قوما هم الأنصار، وهؤلاء الأنصار ما هم إلا بعض أهل المدينة، ففي المدينة يهود.
[وقد] تقدّم لنا في درس مضى كلام المؤرّخين في تاريخ مجيء اليهود إلى الحجاز عموما، وإلى المدينة وإلى خيبر وفدك وتيماء ووادي القرى المحيطة بها [خصوصا]، على خلاف بينهم، ومهما يكن فإنّهم سبقوا -منذ قرون وقرون- الأوس والخزرج الذين جاءوا بعد خراب سدّ مأرب في اليمن.
وتقدّم لنا أنّ اليهود فيهم إسرائيليون أصليّون، وفيهم عرب متهوّدون، وفيهم من هو ممتزج، الأمّ عربية والأب يهوديّ.