في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٣٩٢عرب أقحاح من الأوس والخزرج، وإن كان الأكثر -كما يقول التاريخ- من الخزرج، لم يهدهم الله تبارك وتعالى إلى الإيمان، دخل الإيمان في قلوب من أراد الله تبارك وتعالى هدايته، وشرح صدره للإسلام، ولكن البعض تمكّن الكفر من قلوبهم، وحسدوا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على فضله، منهم عبد الله بن أُبيّ الذي كانت الوسائل تُعَدُّ لتتويجه ملكا على المدينة، ورأى في النبيّ - صلى الله عليه وسلم - السببَ الذي حجز بينه وبين الملك الذي كان ينتظره، وهنالك آخرون لم يهدهم الله تبارك وتعالى للإسلام، هؤلاء طائفة تربّصوا أوّل يوم، فلمّا رأوا كثرة أهل المدينة الأصليّين الأوس والخزرج أسلموا ونصروا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وآووه، وجدوا في أنفسهم حسدا، ووجدوا أنفسهم مضطرّين أن يتظاهروا بالإسلام حتّى يردّوا البلاء عن أنفسهم، ولكن لا يخلصون في إيمانهم.
بهذا تكوّنت طائفة المنافقين الذين أنزل الله تبارك وتعالى في فضيحتهم آيات كثيرة في القرآن، ومن أطول الآيات كلاما عن المنافقين سورة التوبة أو براءة، ﴿وَمِنْهُم…﴾ ﴿وَمِنْهُم…﴾ ﴿وَمِنْهُم…﴾...، فضح الله المنافقين فضحا غريبا.
وفي سورة التوبة من علم النفس -كما يعبّر الناس في هذا العصر- والكشف عن خبايا النفوس، ودراسة طبائع القلوب، ومن علم النفس القرآنيّ ما لا يوجد في كتابٍ، ومن تدبّر ما ذكره الله تبارك وتعالى من صفات المنافقين على الأخصّ ومن صفات اليهود وصفات المشركين، يتفقّه ويدرك علما كثيرا غزيرا في خبايا النفوس.
تكوّنت هذه الطبقة فكانت مصدر بلاء ومصدر مكر للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وتمالأت مع اليهود، واليهود بقوا على دينهم وشرعوا في المكر والغدر حتى طهّر الله منهم الأرض بعد أن أُجْلِيَ بنو قينقاع، وأجلي بنو النضير، وقتل بنو قريظة، وهذا في قضايا سيأتي الكلام عليها بعدُ، ولكن قبل إجلائهم كانوا مع المنافقين أَلْبًا(1) على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، متّفقين يتآمرون على الكيد والمكر بالمؤمنين وبالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولهذا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة- قاسى الأمرّين، قاسى بلاء شديدا لكي يكوّن هذه الدولة الفتيّة في المدينة ويركّز هذا الدين
(1) … مُنْضَمِّين ومُجتمِعين. (ابن منظور، لسان العرب: ج1، ص215، مادة: ألب).