في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٣٩٣

فيها ويضع الدعامات والأسس المتينة التي تكون منطلقا إلى كلّ جهة شمالا وجنوبا شرقا وغربا، ليس هذا بالأمر السهل، الشيء الذي قاساه المهاجرون بمكّة قبل الهجرة كان بلاءً فرديّا، كلّ شخص يتولّى أهلُه الكفارُ تعذيبه وفتنَه عن دينه حتّى فرّ، ولكنّ الذي لقوه بالمدينة من اليهود ومن إخوانهم المنافقين [كان بلاء جماعياّ](1) .

والمنافقون أخطر على المسلمين من الأعداء الصرحاء؛ لأنّهم يقولون ما تقولون ويفعلون ما تنكرون، ويَغْشَون دائما مجالس المسلمين ويشهدون جماعاتهم وجُمُعَهم، ولكنهم يكيدون ويمكرون، ودائما يتآمرون مع اليهود.

[والسابقون الأوّلون] :

والسابقون الأوّلون

وهذا يبيّن لنا شيئا ممّا قاساه أسلافنا الأوّلون الذين اختارهم الله تبارك وتعالى حتّى يكونوا السابقين الأوّلين، ومدحهم الله تبارك وتعالى وأثنى عليهم ورضي عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ وَالذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ…﴾(2) ، وما كان رِضا اللهِ ليتحوّل.

هؤلاء الذين منهم الجنود الأوّلون في المعركة الأولى بدر، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا بدريّا الذين قال فيهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مخاطبا عمر: «ما يدريك يا عمر، لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(3) ، هؤلاء [هم] البدريّون، وهؤلاء [هم] أصحاب شجرة الرضوان أخيرا في صلح الحديبية [الذين قال الله فيهم]: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُومِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَاخُذُونَهَا…﴾(4) ، وهكذا تكرّر مدحهم في كتاب الله.

(1) … «إخوانهم في النسب والجنس، ولكن أعداء في الدين». (من كلام الشيخ).

(2) … سورة التوبة: الآية 100.

(3) … سبق تخريجه.

(4) … سورة الفتح: الآيتان 18-19.

٣٩٣ / ٤٥٥