في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٤٤[إعراض كبراء القوم عن الدعوة] :
إعراض كبراء القوم عن الدعوة
جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة إلى التوحيد، ودعا المشركين إلى نبذ أصنامهم فكفروا وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىآ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىآ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾(1) كيف نبدّل دين آبائنا وأجدادنا؟
فتمسّكوا وتعصّبوا وبخاصّة صناديدهم وكبراءَهم الذين يجنون منافع كبيرة من تلك الطقوس، فإذا انتشر الدين الجديد وترَك الناس عبادة الأوثان، وهُدمت تلك الهياكل والقباب وبيوت العبادة ونُزع منها كلّ شيء؛ فلن يبقى لهم سلطان، ولن يبقى لهم شيء يتسلّطون به على الضعفاء ويستعبدون به الناس، وسيكون لهذا الدين الجديد السلطانُ، وتكون له الكلمة ويكون له الأمر والنهي، وسينضوي كلّ شيءٍ تحت لوائه، ولابدّ لهم حينئذ أن يعودوا جميعا إلى هذا الداعي الجديد، وهذا شيء مُقَرَّر طبيعيٌّ؛ ولذلك كفروا.
قالوا إن تبعنا هذا الدين فسنصبح رعيّة بعد أن كنّا رعاة، وسنصبح مرؤوسين وحثالة(2) بعد أن كنّا سادة؛ فتعصّبوا.
[المؤمنون الأوّلون] :
المؤمنون الأوّلون
وفي السنوات الأولى من البعثة النبويّة آمن بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - من أراد الله بهم خيرا، فكانوا السابقين الأوّلين إلى الإسلام، ولكنّهم قليلون، أوّلهم خديجة رضي الله عنها؛ لأنّها أوّل من أخبرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بنبوّته لما رجع من غار حراء، فآمنت به وصدّقته، وأخذته إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل فبشّره بأنّه هو نبيّ آخر هذا الزمان، وقال له: «هذا هو الناموس الذي كان يأتي عيسى»(3) .
(1) … سورة الزخرف: الآية 23.
(2) … الحثالة: الرديء من كلّ شيء. (ابن منظور، لسان العرب: مج 11، ص142، مادة: حثل).
(3) … أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ: «…هذا الناموس الذي نزل الله على موسى…». (باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رقم: 3). ولم أجد عند من خرّجه من ذكر عيسى - عليه السلام - ، بل كلّهم يذكر موسى - عليه السلام - . جاء في سيرة ابن كثير: «ولم يُذكر عيسى وإن كان متأخرّا بعد موسى؛ لأنّه كانت شريعته متمّمة ومكمّلة لشريعة موسى عليهما السلام، ونسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء. كما قال: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم﴾ [آل عمران: الآية 50]». (سيرة ابن كثير: ج1، ص 396).