في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٤٦

فماذا فعل أبو جهل وحزبُه بالمسلمين؟

كان إذا أسلم أحد من الأعيان كأبي بكر -رضي الله عنه- مثلا، فإنه يمشي إليه فيعاتبه قائلا: «كيف تترك دين آبائك وأجدادك؟! كيف تترك دين قومك؟! إنّا لا نسفه حلمك، وإنا لا نهين شرفك، ولا نُفيِّل(1) رأيك، أين عقلك؟! أترضى أن تتّبع هذا الصابئ، إن لم ترجع إلى دينك فسننقص من شرفك وقدرك».

كان يعاتب هذا الصنف بهذه الكيفية؛ لأنّه لا يستطيع أن يضرّهم.

وإذا كان من أسلم تاجرًا -و كثيرٌ من القرشيّين تجّار- يهدّده: «والله لنُكَسّدنّ تجارتك، والله لنُهلكنَّ مالك، والله لنفلّسنّك ونعلنُ عليك قطيعة». يهدّدهم بما يخافون منه.

وإذا كان من أسلم ضعيفا كالموالي وبعض الشباب الصغار الذين لا يجدون من يدافع عنهم وبعض النزلاء الغرباء - وهم في مكّة كثيرون- كبلال من الحبش الذي كان مولًى، وعمار الذي كان أبوه حليفا لبني مخزوم، وكانت أمّه أمَةً، فمثل هؤلاء المستضعفين يمكر بهم المشركون مكرا شديدا ويعذبونهم بشتى أنواع العذاب، فكانوا يأخذونهم مثلا ويخرجونهم في القائلة -و الزمنُ صيف، ومكّةُ من أشدّ البلاد حرّا- ويبطحونهم على الأرض الملتهبة بأشّعة شمس الحجاز فتحرقُ أجسادَهم، كما فعل أميّة بن خلف ببلال، إذ كان يضجعه على ظهره ويضع فوق صدره حجارة، ويتركه للجوع والعطش والحرّ الشديد.

وأضرابه كثيرون.

وكانوا أيضا يسلّطون عليهم أولادهم يسبّونهم ويشتمونهم ويرمونهم بالحجارة ويعيِّرونهم.

(1) … نُفَيِّلُ: نقبّح ونخطّئ. (ابن منظور، لسان العرب: مج 11، ص 534، مادة: فَيَّلَ).

٤٦ / ٤٥٥