في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٥٠

[إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان] :

إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان

لقد بلغ من مكر قريش أنّهم كانوا يعذِّبون هؤلاء المستضعفين حتى يضطرّوهم لأن ينطقوا بكلمة الكفر، فأحيانا كان يصل الأمر بأحدهم وهو في حالة شديدة من الحرّ والعطش والجوع فينطق بتلك الكلمة ليخفّف عن نفسه العذاب، وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن الله تعالى عذرهم وقال: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنم بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنُ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَانِ﴾(1) .

وبلغ بهم المكر أيضا -مثلما تقول رواية- أنهم كانوا يقولون للمعذَّب حينما يمرّ بالقرب منه حيوان: «قل: هذا إله مع الله».

بل وحدث أنْ مرّت جُعَلٌ أمام أحد المعذَّبين فقال له معذِّبه: «لا تزال في العذاب حتى تقول: هذا إله مع الله». فيقول المعذَّب ذلك؛ كي يخفَّفَ عنه العذاب قليلا.

وقد اشتدّ العذاب مرّة بعمّار حتى نطق بكلمة الكفر، فجاء بعض الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وقالوا له: يا رسول الله، كفر عمّار، فقال لهم النبيّ صلى لله عليه وسلم: «ما كفر عمّار، عمّار ملئ إيمانا من فَرْقِهِ إلى قدمه»(2) . شهادة غريبة من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - .

وبالفعل ما كفر عمّار، ولكنه لمّا اشتدّ عليه العذاب؛ نطق بتلك الكلمة بلسانه ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَانِ﴾، ودون أن يناديه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أو يسأله أو يدريَ بالخبر؛ قال لهم بأنّ عمّارا لا يكفر ولن يكفر، «عمّار مُلئ إيمانا من فرقه إلى قدمه»، عمّار مَحْشُوٌّ بالإيمان، ولكن شدّة العذاب وشدّة الجوع والعطش والحرّ الشديد في الصيف برمضاء مكّة تُلجئُ المرءَ لأن يقول هذا.

(1) … سورة النحل: الآية 106.

(2) … أخرجه ابن حبّان عن هانئ بن هانئ: قال: استأذن عمار على علي رضوان الله عليه فقال: مرحبا بالطيب المطيب، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «عمَّار مُلِئَ إيمانا الى مُشَاشِه»؛ أي مثانته. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن. كتاب: إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن مناقب الصحابة، ذكر شهادة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لعمار بن ياسر بأخذه الحظ من جميع شعب الإيمان، رقم: 7076.

٥٠ / ٤٥٥