في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٥٦

أكبرهم سنّا يومئذ هو الإمام عثمان [بن عفان] ؛ لأنّه وبعد موت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بنيّف وعشرين عاما، يموت وعمره ثلاث وثمانون سنة، إذن يكون في ذلك الوقت في الخمسين من عمره، أمّا الباقي فجلّهم صغار بين الشباب والكهولة.

هاجروا في سفن إلى الحبشة، ونزلوا في جوار الملك العادل النجاشيّ، ووجدوا هناءً وراحة، فلا أحد يصدّهم عن دينهم.

[والله لا أسلمهم إليكم أبدا] :

والله لا أسلمهم إليكم أبدا

ولكن هل تسكت قريش عن [خروج] ثلاثة وثمانين رجلا [من مكة] في الوقت الذي كان الرجل يُعدّ عملة نادرة؟ فالقبائل بينها حروب، وهي تعتزّ بعدد رجالها مثلما تعتزّ بخطبائها وشعرائها، وكان من وُلد له ولدٌ ذكر يُعَدُّ ذا شأن كبير وشرف. فالرجل لا يستهان به في ذلك الوقت أوقاتِ الفتن، بل له قيمة وأيّة قيمة نجهلها اليوم.

اهتزّت قريش اهتزازا كبيرا، وقالوا: إن سكتنا عن هذه الجماعة التي خرجت اليوم؛ فستتبعها جماعة أخرى غدا، يؤمنون ويتبعون الدين الجديد ويخرجون فتصبح مكة خالية من أولادها.

فماذا صنعوا؟

دبّروا مكيدة، واتفقوا أن يختاروا اثنين من الفصحاء البلغاء الحذّاق يبعثونهما إلى ملك الحبشة النجاشيّ؛ يطلبان منه ردّ هؤلاء الفارّين إليهم.

وفعلا تآمروا واختاروا عمرو بن العاص، وهو داهية من دهاة العرب(1) ، وكان ممّا يمتاز به الكمالُ في العقل والفصاحةُ في القول، وقد لعب دورا كبيرا في الشرك، ولعب كذلك دورا كبيرا في الإسلام كفّر به ما مضى.

(1) … «وكانوا يعدّون في ذلك الوقت دهاةَ العرب أربعةً: معاوية [بن أبي سفيان] ، وعمرو بن العاص، وزياد بن أبيه، والمغيرة بن شعبة»(من كلام الشيخ).

٥٦ / ٤٥٥