في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٥٧

اختاروا عمرو بن العاص وعبدَ الله بن ربيعة وبعثوهما وفدا للنّجاشي، وليس هذا فقط، بل وبعثوا معهما سفينة محمّلة بهدايا ممّا ينتجه الحجاز، هدايا لحاشية(1) الملك وهديّة كبيرة للملك النجاشيّ، وأوصوهما قائلِين: «تذهبان إلى الحبشة وقبل أن تلتقوا بالسلطان، تقصدون البطارقة أوّلا، فهؤلاء هم الأمراء والكبراء، وتمكّنون لكلّ واحد هديّته، وتبيّنون لهم بأنّ هؤلاء أولادنا انحرفوا عن دينهم وهربوا، وأنّ عائلاتهم وعشائرهم تطلب إرجاعهم، فلقد جاءنا دين جديد فتبعوه وخرجوا من دين آبائنا، ولم يتّبعوا دينكم أيّها النصارى(2) ، بل تبعوا دينا جديدا، وسنكلّم الملك في هذا الأمر وأنتم تعينوننا لكي يأمر بإرجاع هؤلاء إلينا».

وفعلاً حدَث، وقبِل كلّ واحد من البطارقة هديّته وأعطوهما وعدا بعقد مقابلة مع الملك، وطمأنوهما أنُ اطلُبا ونحن نعينكما وسنقول للملك بأنّنا لا نرضى ببقاء هؤلاء في وطننا.

وكان الموعد موعدُ لقاء الملك.

دخل عليه عمرو بن العاص وعبد الله بن [أبي] ربيعة -والبطارقة كلّهم معه- وقدّما له الهدايا وكلّماه في [أمر المهاجرين] مثلما كلّما البطارقة: «أيها الملك، هؤلاء أولادنا سفهاء منحرفون، مرقوا من دين آبائهم وأجدادهم ولم يدخلوا في دينك، إنّما ابتدعوا دينا جديدا، ونحن أدرى بحالهم، نطلب منك أن تسلّمهم لنا فنردّهم إلى وطنهم».

قال البطارقة -و قد أكلوا الرشوة من قبل لمّا قبلوا الهدايا-: «نعم أيّها الملك، رأْيُنا كلّنا أن تُرجِع هؤلاء».

(1) … «ولقد عبّر القرآن على حاشية الملك بالملإ مثلما قال عن حاشية فرعون: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ…﴾ [سورة الأعراف: الآية 109] وحاشية الملك هم الأمراء والوزراء، وكانت حاشية النجاشيّ من البطارقة». (من كلام الشيخ).

(2) … «لأنّ الحبش وقتئذ مسيحيّون متمسّكون بالمسيحية، وهم كذلك إلى اليوم». (من كلام الشيخ).

٥٧ / ٤٥٥