في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٥٨فغضب الملك غضبة مُضَرِيَّة وقال: «أُرجِع من جاءني واحتمى بي واستجار بي؟! والله لا أرجعهم ولن أرجعهم حتّى أسمع كلامهم، فإذا كان الذي يقوله هذان السفيران حقّا؛ أُرجعهم، وإن كانوا مظلومين في وطنهم؛ فلهم حقّ أن يلتجئوا، ووالله لن أرجع أحدا منهم أبدا».
وكانت قريش قد أوصت السفيرين أنُ يبذلا كلّ جهديهما كي لا يصغيَ الملك إلى المهاجرين؛ لأنّه إن حدث ذلك؛ فلربَّما مال إليهم.
تقول أمّ سلمة رضي الله عنها: «إنّ الذي كنّا نخشاه أكثر هو هذا»؛ أي كنّا نخشى أن يصدّقهم الملك مباشرة دون أن يلتقي بنا ويسمع منّا.
ولكنّ الملك ناداهم وطلب مقابلتهم.
كبر الأمر على المسلمين -كما حدّثت أمّ سلمة وبعض الرّوّاة الذين كانوا حاضرين-، فالسلطان قد ناداهم فماذا يقولون له؟
فتشاوروا فيما بينهم واتّفقوا أن يقولوا الصّدق، نعرض عليه ديننا والذي جاءنا به نبيّنا، لا نزيد ولا ننقص، وليكن ما يكون، لن نكذب ولن ننافق ولن ندبّر شيئا، بل نقول الحقَّ.
واتّفق الوفد كلّه على أن يتقدّم جعفر -رضي الله عنه- متحدّثا عنهم.
وجعفر بن أبي طالب هو أخو الإمام عليّ ووالد عبد الله بن جعفر الفاتح العظيم لإفريقيا، وأسماء بنت عُمَيْس زوجه، وقد هاجرت معه وولدت عبد الله في الحبشة.
قدّم الوفد جعفرا لكي يتكلّم هو، فسألهم الملك -و كان الأساقفة والبطارقة حاضرين-: «ما خطبكم؟»
فقال له: «كنّا في جاهليّة، نعبد الأصنام، ونأكل الحرام، ونقطع الرحم، ويطغى قويّنا على ضعيفنا، ونرتكب الفواحش، فجاءنا نبيّ نعرف نسبه وصدقه وعفّته