في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٥٩

وأمانته، لم يأتنا شخص بعيد، بل هو منّا نعرفه من نسبه الشريف، اختبرناه فعرفناه صادقا أمينا عفيفا، جاء ينهانا عن عبادة الأحجار والأشجار والأوثان، ويأمرنا أن نعبد الله وحده، ونصل الرحم، ونؤدّيَ الأمانة، ونصدُق في القول، ونأتيَ الخيرات، ونتركَ الفواحش والمنكرات، جاء يأمرنا بكلّ خير، وينهانا عن كلّ شرّ؛ فاتّبعناه، فما كان من أهلنا إلا أن أضرّوا بنا، ومن كبراء قومنا إلا أن ظلمونا وعذّبونا على هذا، لا شيء بيننا وبينهم إلا هذا».

قال لهم: «هل تحفظون شيئا مِمَّا جاءكم به هذا النبيّ؟»

فاستفتح جعفر بن أبي طالب قارئا سورة مريم: ﴿كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآءَ﴾ وفيها أيضا قصّة مريم وعيسى عليهما السلام، فلمّا سمع الملك ما يتلى عليه؛ بكى حتى اخضلّت لحيته بالدموع، وبكى الأساقفة كلّهم، وعندئذ قال: «هذا ينبعث من المشكاة التي ينبعث منها نور عيسى بن مريم». ثمّ حلف قائلا: «والله ما خالفَ هذا شيئا ممّا جاء به عيسى بن مريم، والله لن أردّ هؤلاء إلى أهلهم، ولن أقبل في هذا كلاما، هؤلاء الذين خصالهم هذه واستجاروا بي وخيّروني على من سواي، يُظلمون في جواري؟!» والتفت إلى المسلمين وقال لهم: «من سبّكم غَرِم».

خرج عمرو بن العاص وصاحبه مخزيّين، ولكن عمرو داهية، ففكّر في حيلة أخرى بديلة.

لما خرج قال لرفيقه عبد الله بن ربيعة: «والله لآتينّ الملكَ غدا وأقول له ما أستأصل به خضراءهم، فيمحقهم محقا ولا يترك فيهم أحدا».

قال له عبد الله أبي بن ربيعة: «اتّق الله فإنّهم رحم، هؤلاء أولادنا وأقاربنا».

قال له: «والله لأفعلنّها».

وفي الغد طلب المقابلة مرّة أخرى مع السلطان فذهب إليه وقال له: «أيّها السلطان، إنّك لا تدري ماذا يقول هؤلاء في عيسى بن مريم!! إنّهم يقولون فيه

٥٩ / ٤٥٥