في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٦٠قولا عظيما!!» ولم يخبره ما هو، وكان قد قال من قبل لرفيقه: «سأقول له إنّهم يقولون عن عيسى إنّه عبد»؛ لأنّ أهل الحبشة نصارى ويعتقدون أنّ عيسى ابنُ الله وفيه طبيعة إله.
فناداهم النجاشي مرّة ثانية.
تقول أمّ سلمة: «كبر علينا الأمر أكثر لماّ نادانا للمرّة الثانية، كنّا نظنّ أن الكَرّة انقلبت علينا، فبالأمس أنصفنا وسمح لنا بالبقاء، واليوم ينادينا!!، ففي الأمر ريبة».
تشاوروا مرّة أخرى: «ماذا نقول له اليوم؟» واتّفقوا على أن لا يقولوا إلا الحقّ الذي جاء به محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، ما قلناه بالأمس نعيده اليوم، لن نعدل عن قول الحقّ وليكن ما يكون.
ولما دخل جعفر سأله السلطان: «ما تقولون في عيسى بن مريم؟»
قال: «نقول فيه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم».
فقام الملك من الأرض وقال: «والله مَا عدا عيسى بنُ مريم مَا قلتَ، هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم». ثم ردّ الهدايا التي جاء بها عمرو بن العاص ورفيقه وقال لهما: «لا أقبل الرّشوة؛ لأنّ الله تعالى لم يأخذ منّي رشوة يوم ردّ إليّ ملكي، وما سمع فيَّ كلام الناس حتى أسمع كلام الناس في مثل هؤلاء الذين ينبع كلامهم من مشكاة عيسى بن مريم».
وما هي قصّة ردّ المُلك؟
[أفأَرْتَشي أنا اليوم؟!] :
أفأَرْتَشي أنا اليوم؟!
كان أبو النجاشي سلطانا ليس له ولد سواه، أما أخوه -أي عمّ النجاشيّ- فكان عنده اثنا عشر ولدا ذكرا، والحبشُ -قبل أن يكبر النجاشيّ- حسدوه وحسدوا أباه(1) ، ورأوا أنّ الآخر صاحب أولاد فمالوا إليه وقالوا: «إن مات هذا الملك فسيتولى
(1) … أرى أنّ التعبير بالحسد هنا غير مستساغ، فلو كان هناك حسد فسينصرف إلى عمّ النجاشي؛ لأنّه صاحب عائلة كبيرة، وليس إلى النجاشيّ ووالده، اللهمّ إلا إن كان هذا الحسد بسبب نبوغ النجاشيّ مثلما سيذكر الشيخ بعدُ.