في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٦٢وفي الليلة نفسها جاءت سحابة فأرعدت وأبرقت، وخرج الناس ومعهم الملك يستمطرونها وكانوا ذلك الوقت في أشدّ الحاجة إلى المطر، فنزلت على الملك صاعقة فقتلته، وارتبك الحبش، من نولّي الآن؟؟
ذهبوا إلى أولاده واختبروهم صغيرَهم وكبيرَهم فما وجدوا فيهم خيرا، كانوا كلّهم حمقى ولا أحد منهم يصلح للملك. فاحتاروا وتشاوروا فيها بينهم فقال بعضهم لبعض: «لا والله لا يليق ملكا علينا إلا الذي كنّا نفيناه».
فلحقوا بالسفينة التي حملت النجاشي واستردّوه منها وتوّجوه ملكا، فجاء صاحب السفينة وطالبهم بإرجاع نقوده فلم يجيبوه في طلبه، فجاء إلى الملك وجلس بين يديه وقال له: «أيّها الملك، اشتريتُ غلاما ودفعت ثمنه فأدركني أهله وأرجعوه، فطالبتهم بالثمن فلم يجيبوني». ففَهِم الملك وعلم أنّه المعنيُّ بالأمر وأنّ القضيّة تتعلّق به هو، فقال لقومه: «والله لتَرُدُنّ إليه ماله أو ليضعَنّ الغلامُ يدَه في يده ويذهب به حيث يشاء». فردّوا إليه ثمنه.
وكان هذا أوّل ما رأوه من صرامته وعزمه وعدله وقوّة إيمانه وصدقه؛ لأنّه قضى بالقضيّة في نفسه فعدل.
فهذا الذي أراده النجاشيّ لما قال لعمرو بن العاص ورفيقه: «لم يأخذ الله منّي رشوة يوم ردّ إليّ ملكي»؛ لأنّ المُلْكَ كان أصلا إليه من أبيه، فقُتل أبوه لكي لا تعطى المملكة له، ونُفي هو لكي لا يُمَلَّك، ولكنّ الله تبارك وتعالى أراد ردّه رغم أنف الحبشيّين كلِّهم، وذهبوا هم بأنفسهم فردّوه وتوّجوه ملكا عليهم.
رأى النجاشي أنّ ما بعثته إليه قريش من هدايا يُعتبر رشوة لكي يظلم هؤلاء الذين دخلوا في جواره، فردّها إليهم، وكأنّه بردّه لها يقول لهم: «بالأمس لمّا ردّ الله تعالى إليّ ملكي لم يأخذ منّي رشوة، ولم يُنْفِذْ مكر الناس فيَّ وما أطاع كلامهم، بل ردّ كيدهم في نحورهم وملّكني، أفأرتشي أنا اليوم وأقبلها؟! أم أسمع وأطيع كلام الناس اليوم في الذين حسدوهم؟! لا والله».