في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٦٣

وردّ على عمرو بن العاص هديّته وخرج مَخزيًّا، ورُفع شأن المسلمين في الحبشة، ومكثوا فيها عدّة سنوات آمنين سالمين، منهم من رجع إلى مكّة لما تقوّى الإسلام، ومنهم من مكث فيها إلى أن هاجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة فتوجّهوا إليها مباشرة، أمّا جعفر بن أبي طالب وجماعة معه، فبقوا في الحبشة إلى فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة، ولما وفدوا إلى المدينة، فرح بهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فرحا شديدا، وقال كلمته المشهورة: «لم أدر أأفرح بفتح خيبر وذلّ اليهود، أم برجوع جعفر وأصحابه من الحبشة».

[إسلام النجاشيّ وعقدُه للرسول - صلى الله عليه وسلم - على أمّ حبيبة في الحبشة] :

إسلام النجاشيّ وعقدُه للرسول صلى الله عليه وسلم على أمّ حبيبة في الحبشة

وقبل أن يرجع جعفر من الحبشة كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد كتب كتبا إلى الملوك يدعوهم للإسلام، فكتب إلى المقوقس ملك مصر، وإلى [هرقل] ملك الروم، وإلى بُصرى وإلى كلّ ملوك العرب والعجم، وكتب إلى النجاشيّ كتابين بعثهما مع عمرو بن أميّة الضُّمْريّ العدّاء المشهور الذي يسبق الخيل في المشي.

أمّا الكتاب الأوّل فإنّه يدعوه فيه إلى الإسلام، ولمّا قرأه النجاشيّ وضعه على عينيه مثلما يحمل أحدنا مصحف القرآن ويقبّله، ثمّ نزل عن عرشه الذي يجلس عليه وجلس على الأرض وشهد شهادة الإسلام: «أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله» وقال: «والله لو استطعت لذهبت إليه في مكانه الذي هو فيه»، لكن كبر سنّه وعجزه عن التنقّل حال بينه وبين ذلك. ومكث على إسلامه حتى مات، فأخبر جبريلُ - عليه السلام - الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - بوفاته فصلّى عليه صلاة الغائب.

وأمّا الكتاب الثاني ففيه أمران اثنان؛ أحدهما أن يخطب ويعقد له على أمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وهي من المهاجرات إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ولكن هذا الأخير لما وصل إلى الحبشة وأطال فيها المكث، أعجبته ديانة النصرانية فتنصّر، فبقيت زوجته أرملةً(1) ، فخطبها النجاشيّ وعقد لها على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -

(1) … ومات عبيد الله بن جحش نصرانيّا في الحبشة؛ لهذا قال الشيخ: « فبقيت زوجته أرملةً». (انظر: سيرة ابن هشام: ج2، ص51).

٦٣ / ٤٥٥