في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٨٦

المقاطعة، وفحوى الصحيفة أن يُخرِجوا بني المطلب وبني هاشم من مكّة إلى شِعْبٍ(1) من شعابها.

وقد سمعتم ورأيتم وعلمتم أنّ مكّة محيطة بها الجبال من كلّ جهة وكلّها شعاب، حتى قالوا: «أهل مكّة أدرى بشعابها».

فألجؤوهم إلى شعب يعرف إلى اليوم بشعب بني هاشم، وهو شعب محصور من هنا وهناك.

قالوا: «نتركهم هناك، لا يؤاكَلون، ولا يشارَبون، ولا يناكَحون، ولا يموَّلون أبدا، لا نذهب إليهم ولا يأتون إلينا، لا نخطب منهم ولا يخطبون منّا، لا نبيع لهم ولا نشتري منهم، قطيعة مطلقة تامّة إلى أن يموتوا».

كتبوا هذا العقد وأمضوه، وزيادة على توثيقه؛ كُتب تحت الكعبة، وعُلّق داخلها، وأمضى فيه كبراء قريش، أي أنّ كلّ عرش وكلّ قبيلة تعاهدوا على المقاطعة، ما عدا بني هاشم وبني المطّلب الذين كانوا كلّهم مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، إلا أبا لهب الذي كان لا يزال حيّا، لم يدخلوه في الشعب، بل بقي في مكّة؛ لأنّه معهم، وشاركهم في هذا التدبير، تدبير المقاطعة.

وهكذا قاطعوهم، وبقوا هناك ثلاث سنوات.

ووصلوا في هذه الثلاث سنوات إلى حالة من الجوع والشدة غريبةٍ جدّا، لولا أنّ بعض الناس ممّن لهم قلوب تنبض كانوا يمدّونهم ببعض الأشياء سرّا، منهم [هشام بن](2) عمرو بن ربيعة -وستأتي قصّته في نقض الصحيفة- إذ كان في بعض الأحيان -إذا حلّ الليل- يأخذ جملا فيحمّله بما يجد من الطعام، فيقوده إلى أن يقرب

(1) … الشُّعَبُ -بضم الشين وفتح العين-: رؤوس الجبال، وقيل ما تفرق من رؤوسها. والشِّعْبُ -بكسر الشين وسكون العين-: ما انفرج بين جبلين. (ابن منظور، لسان العرب: ج1، ص499، مادة: شعب).

(2) … سيرة ابن هشام: ج2، ص219.

٨٦ / ٤٥٥