في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة
الجزء ١ · صفحة ٨٨فهذا أمر، والله حكم حكما، ترفعون عنه هذه المقاطعة، وإن وجدتموه كاذبا أنا آتيكم به اقتلوه أو افعلوه به ما تريدون». ومحمّد - صلى الله عليه وسلم - لا يكذب أبدا، وأبو طالب متيقِّنٌ ويعلمُ ذلك جيدا.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى -و بينما هذه المعجزة تجري- إذا ببعضٍ من كبراء قريش الذين شاركوا في هذا الأمر -أمر المقاطعة- وهم غير راضين في قرارة أنفسهم، يحدّثون أنفسهم دائما قائلين: «هذا ليس حقّا، أنأكل ونشرب ونتمتّع، وبنو هاشم وهم الأصل والأوائل من أصحاب مكّة مقاطعون نسمع بكاء أطفالهم من شدة الجوع والحالة التي هم فيها؟!».
وكان عددهم خمسة، منهم هشام بن عمرو بن ربيعة، هذا الذي ذكرت أنّه كان كلّما وجد فرصة، يُحمِّل جملا بالطعام، وينتظر ساعة من ساعات الليل، فيبعثه إلى المقاطَعين في الشعب.
في يوم من الأيامٍ ذهب هشام -وهذا أوّل من سعى إلى نقض الصحيفة- إلى زهير بن عمرو(1) ، فقال له: «يا زهير، أيطاوعك قلبك على الحالة التي نحن فيها؟! نأكل ونشرب وننكح النساء ونتمتّع، وبنو هاشم وبنو المطلب بطنان من بطون قريش يموتون جوعا وسط الجبل؟! هل هذا حقّ؟!».
وحمّسه جيدا.
فقال له زهير: «الحقّ معك، ولكن ماذا أصنع؟ شخص واحد ماذا يفعل؟! ماذا عساي أفعل لوحدي وقريش كلّها متفقة؟!»
قال له: «معك آخر».
قال له: «ومن هو؟».
(1) … بل هو: زهير بن أبي أمية. (انظر: سيرة ابن هشام: ج2، ص219).