في رحاب السيرة: من سنوات البعثة الأولى إلى إرساء دعائم الدولة الإسلامية في المدينة إبراهيم بن عمر بيوض

في رحاب السيرة منسقا كله للشاملة

الجزء ١ · صفحة ٩٩

هذا هو الأمر الأوّل الذي نُقضت به صحيفة المقاطعة، وقبل أن نذكر الأمر الثاني، لا بأس أن نقصّ حادثةً رواها سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- تعطينا -لوحدها- حالة الجوع والعطش التي وصل إليها المقاطعون وهم في الشعب.

ما هي هذه الحادثة التي رواها سعد بن أبي وقّاص؟

قال: «خرجت في إحدى الليالي لأتبوّل، فبعّدت قليلا من الشعب التي نحن فيها، وكان الظلام سائدا، فلمّا كنت أبول سمعت قعقعة تحت البول، فلمّا قضيت حاجتي أخذت هذا الشيء لأرى ما هو، فوجدته قطعة من جلد بعير، فأخذتها وغسلتها جيدا، ونشّفتها، ثمّ أحرقتها، ودققتها، وشربتها على الماء، ومكثت عليها ثلاث ليالي».

ثلاثة أيّام وقوته هذه القطعة التي أحرقها وشرب عليها الماء، طبعا كان فيها بقيّة من الغذاء؛ لأنّها جلد حيوان.

هذه رواية عن سعد -رضي الله عنه-، أحد الأصحاب العشرة، روى هذه القصّة التي بها فقط -فضلا عن غيرها من القصص الأخرى- نتبيّن حالة الشدّة التي وصل إليها أصحاب الشعب الذين قوطعوا.

وأمّا الأمر الثاني الذي نُقضت به الصحيفة، فهو الخبر الذي جاء به جبريل - عليه السلام - إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، حيث قال له: «أخبر المشركين بأنّ العقد الذي كتبوه وعلّقوه في جوف الكعبة، قد بعث الله عليه الأرَضة(1) فأكلته كلّه ولم تُبقِ منه إلا كلمة: «باسمك اللّهمّ».

ولم يكن المشركون من قبْلُ يعرفون: «بسم الله الرحمن الرحيم»، فهذا شيء جاء به الإسلام(2) ، ولكنّهم كانوا يبدؤون كتبهم من قبلُ بـ: «باسمك اللهم»، ويقصدون الله تبارك وتعالى.

(1) … «ليست أرضة الثياب، ولكنه نوع آخر معروف موجود في كثير من البلاد». (من كلام الشيخ). انظر تعريفها في الدرس الثاني من هذه السلسلة.

(2) … ولعلّ أصدق دليل على هذا قوله تعالى في سورة الفرقان: الآية 60: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾.

٩٩ / ٤٥٥