فتوى البراءة للشيخ الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١١وقد أدرك هذا السر في التعبير فرسان البيان فوظفوه في كلامهم كما أدركه رادة فن البلاغة فأوسعوه بحثاً، قال إمام البلاغة عبدالقاهر الجرجاني في كتابه "دلائل الإعجاز" : "روي عن الأصمعي أنه قال: كنت أسير مع أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، وكانا ياتيان بشاراً فيسلمان عليه بغاية الإعظام ثم يقولان: يا أبا معاذ ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويسألان ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان، وأتياه يوماً فقالا له: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في مسلم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكم. قالوا بلغنا أنك كثرت فيها من الغريب، قال: نعم بلغني أن مسلم بن قتيبة يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف. قالوا: فأنشدناها يا أبا معاذ: فأنشدهما :
بكرا صاحبيَّ قبل الهجير……إن ذاك النجاح في التبكير
حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان (إن ذاك النجاح في التبكير) "بكرا فالنجاح في التبكير" كان أحسن فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت: "إن ذاك النجاح في التبكير".
كما تقول الأعراب البدويون، ولو قلت "بكرا فالنجاح " كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذاك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبل بين عينه. وقال الجرجاني على أثر هذه القصة: فهل كان هذا القول من خلف والنقد على بشار إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟ ثم قال:" واعلم أن من شأن " إن " إذا جاءت على هذه الوجه أن تغنى غناء الفاء العاطفة مثلا، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيبا، فأنت ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف، مقطوعاً موصولاً معاً، أفلا ترى أنك لو أسقطت "إن" من قوله: "إن ذاك النجاح في التبكير" لم تر الكلام يلتئم ولو رأيت الجملة الثانية تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل حتى تجئ بالفاء فتقول:
"بكرا صاحبي قبل الهجير …فذاك النجاح في التبكير "
ومثله قول بعض العرب :